المخدرات آفة الشعوب: مسؤولية قانونية ومجتمعية بين الوقاية والتأهيل

بقلم: الدكتورة سعاد ياسين

في ظل ما يشهده العالم من تحديات أمنية وصحية واقتصادية متنامية، تتصدر آفة المخدرات قائمة المخاطر العابرة للحدود، لما تُسببه من تداعيات خطيرة تمس صحة الأفراد، واستقرار المجتمعات، وسلامة الدول.

ولم تَعُد جرائم المخدرات مجرد حالات فردية، بل باتت تشكل تهديدًا للأمن القومي، والسلم الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، ما يستدعي تفعيل منظومة قانونية شاملة، تأخذ في الاعتبار أهمية الردع، دون إغفال أبعاد الإصلاح والتأهيل.

الإطار القانوني في مملكة البحرين: ردع وتشريعات متوازنة
تبنّت مملكة البحرين نهجًا صارمًا ومتوازنًا في التشريعات المتعلقة بالمخدرات، من خلال قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (15) لسنة 2007 وتعديلاته، والذي يُجرّم كافة الأفعال المرتبطة بالمخدرات: زراعةً، تصنيعًا، ترويجًا، اتجارًا أو تعاطيًا.

وينص القانون على عقوبات رادعة تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام في بعض الحالات، مع مراعاة الظروف المخففة أو المشددة، وتحديد المسؤولية الجنائية حسب طبيعة الجريمة ودور الجاني فيها.
كما يولي القانون أهمية خاصة لمكافحة المخدرات في إطار التعاون الدولي، تنفيذًا للاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة.

الوقاية: أولوية وطنية ومجتمعية
الوقاية من المخدرات لا تقل أهمية عن الردع القانوني، بل تمثل الخط الدفاعي الأول. وقد ركزت مملكة البحرين، ضمن استراتيجيتها الوطنية، على برامج توعوية شاملة تستهدف الأسر، المدارس، الإعلام، والأندية الشبابية، لتكوين مجتمع واعٍ محصّن ضد الانحراف.

كما أن المؤسسات التربوية والدينية والمجتمعية تتحمل دورًا أساسيًا في بث الوعي بخطورة هذه الآفة، عبر حملات تثقيفية متواصلة، تربط بين القانون والقيم، وتحفّز على السلوك الوقائي لدى الناشئة.

وفي هذا السياق، نستحضر بكل فخر ما أكده حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه:
«الإنسان هو محور التنمية وأساس أمن الوطن واستقراره»،
وهو ما يُجسد الرؤية الوطنية العميقة في حماية الإنسان، وتمكينه، وضمان سلامته من كل ما يُهدد أمنه الجسدي والمعنوي.

الحق في العلاج والتأهيل: منظور إنساني وقانوني
من أبرز ما يميز التشريع البحريني هو الاعتراف بحق المتعاطي في العلاج والتأهيل، متى ما بادر طوعًا إلى طلب المساعدة. وتعمل الجهات المختصة، كوزارة الداخلية ووزارة الصحة، على توفير مراكز متخصصة للعلاج وإعادة التأهيل تحت إشراف طبي ونفسي متكامل، مع ضمان السرية والدعم الاجتماعي اللازم.

وينص القانون على إمكانية إيقاف تنفيذ العقوبة أو تخفيفها في حالات المبادرة للعلاج أو إثبات حسن النية، مما يعكس التوازن بين العدالة العقابية والعدالة الإصلاحية.

الفرصة الثانية: نحو عدالة ترميمية
لا يمكن أن تكتمل أركان مكافحة المخدرات دون إعادة دمج المتعافين في المجتمع بطريقة كريمة وآمنة. وقد كرّس القانون البحريني هذا المبدأ عبر تسهيل الوصول إلى فرص العمل، والدعم النفسي، وإزالة الوصمة المرتبطة بتاريخ الإدمان.

إن الفرصة الثانية ليست فقط استحقاقًا قانونيًا، بل هي التزام أخلاقي وإنساني تجاه كل من اختار النجاة، بما يعزّز من ثقافة التسامح والعدالة التصالحية داخل المجتمع.

الردع الحقيقي بالوعي والإصلاح
إن مواجهة المخدرات تستوجب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التشريع والعقاب، بل تقوم على الوقاية، والرعاية، وإعادة التأهيل.
ويأتي الردع الحقيقي من الوعي المجتمعي، ومن وجود شبكة مؤسسية مترابطة تشترك فيها كل مكونات الدولة والمجتمع المدني.

خلاصة
مكافحة المخدرات لم تعد معركة أمنية فقط، بل هي قضية وطنية وإنسانية، تتطلب توازنًا دقيقًا بين الحزم القانوني والرؤية الإصلاحية، وبين الوقاية والاحتواء.
وتجربة مملكة البحرين في هذا السياق تمثل نموذجًا تشريعيًا وإنسانيًا جديرًا بالاقتداء، حيث القانون لا يُعاقب فقط، بل يُعالج، ويُصلح، ويمنح الأمل في بداية جديدة.

الدكتورة سعاد ياسين
دكتوراه في القانون العام – الدستوري
محامية وباحثة في حقوق الإنسان والقانون الدولي العام
رياضية ومحكّمة دولية معتمدة

Related posts

Leave a Comment