الكاتب الكبيرابراهيم مراد يكتب في/اشكالية المفكرالعربي ومقارنته بمثيله الغربي..

المتابعين الاكارم اينما كنتم  حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,

السيدات والساده:

 لقدكان الدكتور زكي نجيب محمود، شيخ الفلاسفة العرب، يرى أن الفكر الأصيل ليس يقينًا أعمى ولا رفضًا مطلقًا، بل هو حوار متواصل بين “لا” و”نعم”. وقد أشار في كتابه المهم الشرق الفنان إلى أن الشرق يعيش بالقلب، بينما الغرب يحكم بالنتائج. ومن هنا برز سؤاله الأعمق: كيف نوازن بين العقل والوجدان في حياتنا؟

وقد تحدثتُ من قبل عن “التصوف العقلي” في فكره، وكيف جمع فيه بين صفاء الروح ودقة المنطق، وعن تحليله البديع للفارق بين نظرة الشرق الفنية ونظرة الغرب العلمية. واليوم نقترب أكثر من رؤيته الفكرية لتكوين العقل المصري المعاصر.

كل من أقترب من عالم الدكتور زكي نجيب محمود – الذي يُعد أحد أبرز فلاسفة العرب في القرن العشرين ورائد الفلسفة الوضعية المنطقية – يكتشف انه كان عقلًا متفرّدًا يحمل رسالة فكرية نبيلة ورؤية علمية واضحة. فهو لم يكتب ليملأ رفوف المكتبات، بل ليملأ فراغ العقول، ويوقظ فينا القدرة على النظر إلى أبعد من حدود اللحظة الراهنة.

كان يؤمن أن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، بل مسؤولية تجاه الإنسان وزمانه، لذلك جاءت كتبه الفكرية المتنوعة في مجالات الفكر والفلسفة والأدب، -وخاصة سيرته الذاتية في قصة نفس وقصة عقل وحصاد السنين-  ممتعة وعميقة في آن واحد، تحرّك في القارئ أسئلة متواصلة حول الحياة ومكانه فيها. وكان يضعنا دومًا أمام السؤال الأصعب: كيف نوازن بين منطق العقل ونداء القلب في كافة جوانب حياتنا؟

والمثير أن هذا المفكر الكبير، رغم صرامة تكوينه في مدرسة الفلسفة الغربية، ظل يبحث في تراثنا عن ملامح المستقبل لا عن صور الماضي. فقد كان يرى أننا لا نملك رفاهية الانغلاق على أنفسنا، ولا رفاهية الذوبان في غيرنا، بل نحن مدعوون لصياغة ذاتٍ حرّة، جذورها راسخة في التراث وعيونها شاخصة نحو الأفق الجديد.

لكن من أين يبدأ تكوين العقل المصري؟ وما القوى التي تصنع ملامحه اليوم؟

وكان لا بد أن أضع هذا السؤال بين يدي فيلسوف عاش قرنًا كاملًا، قرأ فيه عقول الشرق والغرب، وطرح فكرًا جديدًا من أجل النهوض والتقدم.

أجاب بهدوئه المعهود:”يتشكل العقل المصري الآن من عدة مجموعات، وهذا – لسوء الحظ – لأنه لا وحدة فيه. بمعنى آخر، ليس لنا رؤية مشتركة من الناحية الثقافية، فنحن عدة فرق ووجهات نظر مختلفة، وسأختصرها لك في ثلاثة اتجاهات.”

الاتجاه الأول: وهو الأكثرية الغالبة، لا تعرف من الثقافة إلا ثقافة الآباء. هؤلاء هم السلفيون الذين يريدون من العقل – إذا تثقّف – أن يفتح الكتب القديمة ويقرأ ما فيها ويحفظ الكثير منها، بحيث يستطيع أن يتلو نصوصًا عديدة من ذاكرته. وهذا الاتجاه لا يعرف شيئًا – أو يعرف القليل جدًا – عن الصخب الذي يملأ الدنيا من أفكار جديدة، تيارات وصراعات ونظم يضج بها العالم من حوله.

الاتجاه الثاني: وهو الطرف المقابل، وهم قلة قليلة جدًا لكنها مؤثرة، حفنة من المفكرين والمثقفين نحترمهم أيضًا، ولكنهم كما لو أرادوا لنا أن نصبح أوروبيين في كل شيء: 

 في أفكارنا، وموسيقانا، وأشعارنا، ونظمنا. فهم لا يرون وجهًا آخر غير ذلك؛ ما دام الغرب في تقدم، فلنأخذ كل ما فيه.

الاتجاه الثالث: وهو بين هذين الطرفين، مجموعة لا بأس بعددها، ليست بكثرة الأولى ولا بقلّة الثانية. والعجيب أن من هذه الفئة “التوسطية” نشأ أعلامنا جميعًا الذين يستحقون الذكر – من رفاعة الطهطاوي إلى اليوم. كل منهم عاش صيغة جديدة تحقق لنا استمرارية وجودنا العربي والإسلامي، وتضيف إليه وتغذيه بالغذاء الأوروبي الجديد. فإذا أغفلنا عيوننا وأصمَمنا آذاننا عنه من علوم وصناعات ونظم، نكون في هذه الحالة لقمة سائغة وفريسة هينة، وقد برهنت الحوادث على ذلك بالفعل، ثم سألته عن فلسفته الخاصة في حياته اليومية، فأجاب:

“كأنني أعيش في بيت له غرفتان بينهما باب: غرفة العلم التي لا تعرف عقيدة ولا هوى، حيث أتعامل مع الفكرة بموضوعية خالصة، وغرفة الحياة الوجدانية التي تحكمها العاطفة والرغبة والإيمان والفن… والإنسان الحق هو من يوفّق بين الغرفتين… وأنا أحاول ذلك ما استطعت.”

وعندما سألته هل هناك فرق بين شباب اليوم وشباب زمن الدكتور زكي نجيب محمود؟ ابتسم، وتراجع قليلًا إلى الوراء، وكأنه يستعد ليكشف السر.

بقلمي//رئيس التحرير

Related posts

Leave a Comment