جَدليَّةُ القهرِ والحرية: قراءة في رواية (والشَّرطُ قد التأم) للروائي الإرتري محمد صالح حيدر

بقلم -د. شعبان عبد الجيِّد

ناقدٌ وأكاديميٌّ من مصر

● “هل كلُّنا مجرمون؟ أيُعقَلُ هذا؟ من البريءُ إذن في هذا الوطن؟”!
● “إننا سنتغيَّر؛ لأنَّ شرط التغيير قد التأم فعليًّا”!
اعتدتُ حين أقرأ روايةً، مهما كان حجمُها أو نوعُها، أو حتى كاتبُها، أن أحتشدَ لها احتشادًا خاصًّا؛ وأولُ ذلك أن أستحضرَ جهد الروائي في خلق عالمها ونسج حبكتها ورسْم شخوصِها، ورغبته في أن يعالج من خلالها فكرةً، أو يطرح رأيًا، أو يناقش قضيةً، أيًّا ما كان توجهه أو انتماؤه أو جنسيته.

ونحن في الرواية، أية رواية، نَخرُجُ من أنفسِنا، ونعيشُ في غيرِنا، ونهرب من قيودِنا، ونقرأ تاريخ شخصيات صنعها الخيال لكي نعرفَ أنفسَنا على نحوٍ أفضل، ونتعلم كيف تعيش، ولنكون كما نحن، وليس أجمل من أن ترتدَّ إلى الماضي، وتتبيَّنَ كيف أمضيتَ طفولتك في زمنٍ ضاع إلى الأبد، أو أن تمدَّ خيالَكَ إلى الغد، وترسم بطريقة مناسبة ما تأمل أن يكونَ عليه مستقبلُك.

والرواية، من حيث هي فنٌّ أدبيٌّ، إنسانيةٌ بحكم طبيعتها وبنائها، وقلَّما تعرفُ التحيز الصارم أو التعصبَ الحاد. ولعل إقبالَ القراءِ الشديدَ على قراءة الروايات يرجعُ إلى شيءٍ من هذا، وإلى إطارِها السهلِ المَرِنِ الذي يوائمُ كلَّ الموضوعات، وشتى الأساليب، ومختلِف ألوان التأليف؛ فمادتها تشملُ الفرد والمجتمع والطبيعة، مرورًا بكل الاحاسيس، من أبسطِها إلى أعمقِها، ومن أشدِّها سخريةً إلى أعظمها نُبْلًا.

وفي الوقت الذي يُعنَى فيه الشعرُ باللغة قدرَ عنايته بفهم الحياة الإنسانية، تتجه الرواية، باعتبارِها تعبيرًا فنِّيًا، إلى تجسيد الحياة الإنسانية على نحوٍ أعمق وأخصب. ومن هنا كان (التشخيص)، كما يرى روجَر ب. هينكل في كتابه (قراءة الرواية)، هو محور التجربة الروائية، وكانت الغاية الأساسية من إبداع الشخصيات الروائية هي أن تمكِّنَنا من فهم البشر ومعايشتهم.

ولست أبالغ إذا قلت إن رواية (والشرط قد التأم) للروائي الإرتري الأستاذ محمد صالح حيدر، قد نجحت بسلاسة سردِها ورشاقة لغتها وتلقائية أسلوبها، أن تأخذَني من نفسي أخذًا، وأن تنقلني إلى عوالم شخوصها ومضطرب حوادثها. وما هي إلا صفحةٌ أو صفحتان حتى وجدتني مع (نضال) و(خالد)، اللذين بدا لي في أول الأمرِ أنهما بطلا الرواية ومحورُها، وهو ما سوف يتغير قليلًا حين أتابع القراءة وأعرف المزيدَ من الشخصيات.

● رواية سياسية / إنسانية:
ولم أكَد أنتهي من القراءة الأولى لهذه الرواية حتى استقرَّ في نفسي أنها إنسانية بقدر ما هي سياسية، ولعلها أيضًا تقترب من أن تكون اجتماعية، تصور مشكلات الواقع وهمومه من خلال مجموعة من الشخصيات، وليس على مستوى فردٍ واحد؛ فالشخصية فيها لا تمثل فردًا يعيش أزمته الخاصة وهمومه الذاتية، بعيدًا عن التفاعل مع أحداث البيئة الاجتماعية والتأثر بها، وإنما هي أقرب إلى النموذج الاجتماعي الذي يحمل خصائص طبقة اجتماعية بذاتها، ويعبر عن أفكارِها وقيَمِها. وإن كان هذا لا يجب أن ينسيَنا أنها (سياسية)، في المقام الأول، أو (سياسية / رمزية) كما سوف نوضِّح.

والرواية السياسية (Political Novel) هي في أصلها روايةٌ فنية، مثلَ أية رواية فنية اكتملت فيها عناصرُ التشكيل الروائي، لكنها تَزيد عليها بما تتضمنه من وجهة نظر سياسية تمثل قضيةً رئيسيةً فيها. ويعرِّفها الناقد الأمريكي “إيرفِنج هاو” Irving Howe في كتابه “السياسة والرواية” Politics and The Novel بأنها الرواية التي تلعبُ فيها الأفكارُ السياسيةُ الدورَ الغالب أو التحكمي، وهي ذلك النوع من الرواية الذي تنفصلُ فيه فكرةُ المجتمع عن مجرد أعمال المجتمع التي لا يُسألُ عنها، والتي وصلَت إلى لا شعور الشخصيات بكل مظاهرها العميقة المثيرة للمشاكل، لدرجة أنها تُلاحَظُ في تصرفاتهم. وهذه الشخصيات نفسها دائمًا واعيةٌ بانتماءٍ أو تماثُلٍ أيديولوجيٍّ سياسيٍّ متناغم، وهي تفكر على أساس تأييدِ أو مجابهةِ المجتمع، وتفعلُ ذلك باسم الأيديولوجية، وتحت إلحاحِها.

والروايةُ المعاصرةُ حين تعبر عن قضية سياسية، فإنها تضيفُ إلى وظائفها الفنية وظيفةً أخرَى جديدة، لم تكن ضِمنَ وظائفِها، وهي الإقناع الأيديولوجي إزاء قضية سياسية، قد تكون حادَّةً وساخنة، ولكن الروائيَّ يقدِّمها بطريقةٍ فنية هادئة، حتى تُقرَأَ من الخصوم والأنصار، وتكون مقبولةً من كليهما في آنٍ واحد.

ويرى الناقد المجري “جورج لوكاتش” György Lukács أن بطلَ الروايةِ كائنٌ إشكاليٌّ وهامشي، يواجه واقعًا اجتماعيًّا خاليًا من المعنى، وعليه أن يخترع هذا المعنى المفتقَد، أو يبحث عنه، رغم أن بحثَه المثابرَ عنهقد ينتهي بالفشل. إن بطل الرواية السياسية بطلٌ (إشكالي) Problematic يتحركُ ـ فنِّيًا ـ في إطار قضية أيديولوجية، قد يقدر على حلِّها، أو يخفُق، أي أنه قد يستطيعُ أن يناضلَ عن عقيدته، أو يسقطَ صريعًا دونها.

إن السياسة في عملٍ أدبيٍّ ما مثل طلقة مسدَّس وسط حفلٍ موسيقي، عالية الصوت وسوقيَّة إلى حدٍّ ما؛ ولكنها شيءٌ غيرُ ممكنٍ رفضُه لجذب الانتباه. أمَّا الكاتبُ السياسيُّ فإنه لا يَدخلُ في مغامرةٍ فنيةٍ صعبة مع قارئٍ قد يختلف معه أيديولوجيًّا فحسب؛ وإنما يدخلُ في مغامرةٍ غيرِ مأمونة العواقبِ مع السُّلطة السياسية الحاكمة، التي قد يعارضُها في الرأي، أو يختلف معها في المعتقد؛ فإذا ما حاولَ أديبٌ أن يكتبَ من مَقعَد (المعارضة) أو يسبح ضد تيار الفكر السياسي السائد، فقد تجُرُّ كتاباتُه مخاطرَ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى. وقد تعرَّضَ بعضُ كُتَّابِ الرواية المعاصرة للحبس والاعتقال، أو الفصل من العمل، أو المنع من النشر، أو مصادرة بعض أعمالهم، ومنهم من تعرَّضَ للاغتيال النفسي والمعنوي، أو محاولة القتل والتصفية الجسدية. وما أفدحَ الضريبةَ التي يدفعها الكاتبُ الحُرُّ في هذا العصرالمربِكِ المرتبك!

***

والرواية في مجملها تقص علينا حكاية مجموعة من الشباب والكهولِ الذين تم استدعاؤهم غصبًا لأداء الخدمة الإلزامية، وأوكل إليهم في (الكتيبة 35) إنجاز مجموعة من المهام الشاقة في عدة مواقع، من بينها تمهيد الطرق وبناء المجمعات السكنية. وفيما عدا وقت الراحة، وهو قصير، تجدهم جميعًا من مطلع الشمس إلى مغربها منخرطين في العمل، لا وقت لديهم للثرثرة أو الالتفات إلى شيء آخر، العرق يلمع فوق جباههم، والغبار يتصاعد من تحت معاولهم الثقيلة، كأنهم يحفرون طريقًا في قلب الحياة نفسها.

لقد احترقت أمانيهم في جحيم السخرة، ووُئِدَت طموحاتهم في أخدود القمع، وأودعت طاقاتهم قيد المعتقلات الموحِشة، وشاخت أحلامُهم وكادت تندثر كلما ساخت في وحلِ الإقصاء البغيض.

وهم هناك منفيون داخل الوطن، يضربهم طوق العزلة والتفريق وهم في بلدهم، معتقلون في سجن كبير، لا يطيقون العيشَ فيه، ولا يمكنهم الهروب منه، وأسرى في دوامة مؤقتة، لا أحد يعرف مداها. إنهم كما قال أحدهم: “ما نحن سوى قطيع يُتلاعَب به ونسير على ذات المسار الوعر نشق سُبُلًا هي خلاصة تجارب موغلة في السُّخْرَة في فجاج القمع الذي يتعاظم مَدُّه مع الأيام… نَكِدُّ في الأرض، ونشقُّ طُرُقًا مفخخة بالاصطياد، نحصد طماطم لا نرى لها أثرًا على موائدنا، نشتل بصلًا نطبخ دونه طعامنا ونخوض البحر دون أن نقطع على سمكة واحدة هدوءها، فبحرنا ممنوع الاقتراب من موارده على غرار سائر الحقوق المصادرة، ونشيد منازل لن نسكنها أبدًا؛ بل لا يسمح لنا بالمرور بالقرب منها حتى لا يطالنا ظلها في يوم قائظ”.

وفي غمرة ذلك كله يتحاورون ويتناقشون، يتفقون ويختلفون، يهدؤون ويثورون، يستسلمون أحيانًا لسطوة قائدهم (وَدِّي هيلي) وسلطته الغاشمة، لكنهم لا ينسون أبدًا أنهم تحت حكم قهري باطش، ساقهم بغير إرادة منهم إلى هذا المكان الموحش، بعيدًا عن بيوتهم وأهليهم، وأجبرهم على أن يقوموا فيه بالأشغال الشاقة لخدمة مصالحه وتلبية مطامعه. إنهم يثورون على حاضرٍ بائسٍ من صنع غيرِهم، ويحلمون بغدٍ أفضل هو من أبسط حقوقهم. يتمردون على ما هم فيه، وينتظرون ما يجب أن يكونوا عليه.

ليس من بينهم ذلك (البطلُ الواحدُ) الذي يشغل أحداث الرواية بمفرده، ويجده القارئ في كل فصولها؛ وإن كان هذا لا يعني بداهةً أن جميع شخوصها (أبطال)؛ وليس فيها أحداث تتصاعد، بقدر ما فيها من أفكار تتصارع. وهي ليست حكايةَ أحداثٍ بقدر ما هي رحلة في أعماق الإنسان؛ فهي لا تعوِّلُ على صخب الواقع بل على ثورة النفوس، ولا على تسارع الزمن بل على تشكل الوعي. إنها رواية (الوطن) لا البطل، والأفكار لا الشخصيات، وإن كان هذا لا يعني أيضًا أنها تجريدية غائمة، أو منعزلةٌ عن واقع الحياة.

● الرواية من خلال شخصياتها:
والشخصيات في الرواية محدودة للغاية، لا تكاد تتجاوز أصابع اليدين عدًّا، ورغم ذلك فإنها جميعَها عصبُ الرواية وهيكلُها، ويصعب جدًّا أن تستغنيَ عن إحداها، حتى الثانوية منها. ويبدو أن المؤلف قد انتقاها بعناية واضحة، لتمثل في مجملها أطياف المجتمع الذي ضاق بالحياة في ظل القهر والاستبداد، وآن الأوان لينال حريته ويسترد كرامته.

إنهم أفراد (الكتيبة 35)، وهو رقم له دلالته في تاريخ إرتريا المعاصر، حيث شهد عام 90 تحولًا جوهريًا في تحرر أبنائها، الذين يسخرهم قائدهم (وَدِّي هيلي) لخدمة مطامعه وتحقيق مآربه، دون أن يعنيه من أمرهم شيئًا. وهو شخص أناني، يبدو كمراهق طائش، أصابه الغرور في مقتل، فلم يعد يرى إلا نفسَه، وكاد يقول لهم: “أنا ربُّكم الأعلى” و”ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري”. وليس هذا مبالغة في الوصف أو تزيُّدًا في التعبير؛ فما من مستبد، إلا ويتخذ له صفةً قدسيةً يشارك بها الله، أو تعطيه مقامًا ذا علاقةٍ بالله. إنه يحتقرهم، ويبخسهم حقوقَهم وإنجازاتهم، ويتعمد أن يصيبهم بالقهر والإحباط وخيبة الأمل، ليفقدوا الثقة في أنفسهم والرجاء في مستقبلهم.

لقد اختزل الوطن كلَّه في شخصه؛ فهو يفكر نيابة عنهم ويقرر بدلًا منهم، ويتكرم عليهم بذكائه الحاد ووعيه اللا محدود. وهو يسعى دائمًا ليفرق جمعَهم ويوقِع بينهم العداوة والبغضاء؛ حتى لا تجتمع لهم كلمة، ولا يلتئم لهم صف. وكثيرًا ما نراه وفي يمينه الكرباج، ينظر إليهم في استعلاء، وينصحهم في مكر الثعالب: “تعلَّموا من النمل لذة العمل، واستعيروا من الأبكم مَيزة الصمت”. وكل ما يهمه أن يرفعوا راسَه بين أقرانه، حتى لا يحني هامته بسبب تقصيرهم. وكان يحرص على أن يفرق بينهم، ويرمي بهم هنا وهنالك؛ لتتغير كل المواقع إلا موقعه هو. يقرِّي إليه من يوالونه وتوددون إليه، ويغيب في ظلمات المعتقلات المجهولة من يعارضونه أو حتى يناقشون آراءه، وفي غمضة عين وبلا مبالاة، يختفي بأمره وبجَرَّة قلمٍ منه أطباء ومهندسون وصحفيون ورجال دين، إلى حيث لا يعلم أحدٌ عنهم شيئًا، ولا يحق لأحدٍ أن يعلم عنهم شيئًا، حتى أقرب الأقربن إليهم.

● خالد:
ولم يكن شيءٌ من ذلك خافيًا على أفراد (الكتيبة 35)، وكان (خالد) أكثرهم وعيًا به وسخطًا عليه وإدراكًا لخطره. وخالد ليس الشخصية الرئيسة التي تدور حولها الرواية، بقدر ما هو رمزٌ للفكرة الكبيرة التي تحرك أحداثها وتُلْهِم أبطالها. وسوف يختفي شخصًا عن مسرح الأحداث في منتصف الرواية تقريبًا، تاركًا وراءه رَجعَ كلماته وصدى أفكاره. إنه واحدٌ ممن من يصنعون البسمة وينثرون الفرح في الأرجاء، ينعشون الأوساط التي يعيشون فيها بشذى أنفاس روحهم الطيبة الوثابة إلى فضاءات السعادة، رغم ما يجثم على صدورهم من رُكام الهمِّ وغثاء الإحباط.

ويبدو من سياق الرواية أنه كهلٌ أربعيني، وخط الشيبُ شَعره فزاده هيبةً ووقارًا، يستمع إلى من يتكلم، ويترك محدثه يعبر عن رأيه كيف يشاء، حتى إذا تكلم نطق بالقول الفصل والرأي السديد. وليس هذا عجيبًا؛ فهو خريج كلية القانون، ويحمل درجة الماجستير في القانون الدستوري. وإن كان قد قال ذات مرة في أسى وحسرة: “نحن هنا عساكر مجردون من المؤهلات العلمية، الجميع هنا سَواسية، والمستوى على مُنحنى الواجب الوطني واحد، فما نحن سوى طاقات هائلة تنصاع لأوامر قائد واحد، نحن في محراب الوطن سواسية نُوَلِّي وجوهنا شطر قِبلةٍ واحدة دون استثناء”.

لقد كان في منفاه الإجباري هذا بعيدًا عن بيته وأسرته، لا يكاد يعرف شيئًا من أخبارهم، وما يأتيه عنهم ليس صحيحًا كله؛ لقد غادر ابنه البكر البلاد، ومرضت أمه مرضًا أقعدها، واعتقلت زوجته فترة في غرفة مظلمة، وفجأة وجدت نفسها في مكان موحش؛ كل شيء فيه لا يبعث على السرور، أخذت عبثًا تنشد الأنس بجدران العزلة، تفرك يديها في عتمة قبو يضاعف من هواجسها؛ إذ أسرَّت في نفسها: “هل كلنا مجرمون، أيعقل هذا؟ من البريء في هذا البلد؟”. وحين خرجت من المعتقل جسدًا ذابلًا من شدة المرض الذي تمكَّن منها، فلم تمكث في منزلها سوى بضعة أيام؛ حيث فاضت روحها المنهكة بهذا القدر من الهم قبل أن تلم شتاتها على غرار الكثيرين ممن طحنتهم ظروف مماثلة.

كانت عقيدته الوطنية تتجلَّى في تلك الكلمات التي اختصرَتها أجمل اختصار، والتي قالها ذات يومٍ لرفاقه في الموقع: إن الفردَ منَّا يغوص عميقًا في ذاته، يستدعي من الشواهد ما يدعم قناعته في واقعٍ لزم الجميع فيه الصمت المقيت، بعد أن تخلوا عن قدراتهم لقاء وهمٍ يسوّق لهم من يجذّر سطوة الإقصاء؛ فالصمت والتغاضي المخزي بيئات يعتاش فيها المستبدون. فليس للظلم وطن محدد بعينه، كون منبته الاستئثار الغبي الذي ينخر في عمود العدل؛ فيستشري مع الوقت داء الطغيان في جسد الأمة يلزمها دهاليز المعتقلات وموجة التفريغ، والتأثير يتباين هنا وهناك بحسب الوتيرة التي يضرب بها. وهو ما لم يستشعره منذ الوهلة الأولى سوى أفراد قلائل يقرعون أجراس إنذار مبكر، لكن صداه ربما يستغرق وَقْتًا ليعم، في غيبوبة النشوة والإعجاب ببريق الزيف الذي يحيط المستبد نفسه به، في هذه الأثناء يسري مفعول الإنذار بخطى وئيدة وفوق هذا يتعثر كَثِيرًا في متاريس هي بحاجة إلى من يجتازها بحكمة بالغة. والاستشفاء من هذا الداء يكمن في الصحوة واليقظة وهنا مكمن الفرق بين المجتمعات، بين مجتمع يغض الطرف على خلفية الصور القاتمة التي يصورها المستبد، وآخر يسد منافذ الداء، ويَحْوِي نُصُوصًا تكفل للجميع حقهم تحت شمس العدل الذي لا يستثني أحدًا.

وقد تكرر هذا المعنى حين قال خالد لأمانئيل ذات يوم: “نحن نهيم في عشق هذا الوطن، نغوص في أعماق الشقاء، ونحتمل المشاق ونستسيغه حد الثمالة، أجل كلما استبد بنا هذا العشق الفريد؛ رفع ودي هيلي عقيرة الإقصاء وزاد من وتيرة السخرة. لكننا نؤمن أن ذلك يمنحنا في دجى ليالي القهر وهجًا يقودنا إلى فجر القادم الأغر؛ حيث ينتهي زمن الطغاة، ويتلاشى أمثال ودي هيلي، ويبتلعهم حوت النسيان على طريقة من سبقوهم، وحينها لن يكونوا سوى درسٍ لمن يطمع في اختزال الجماعة في شخصه، أو يغتصب الوطن لصالح أوهامه”.

وثورة خالد هادئة عاقلة، لا تؤثِرُ إلى العنف ولا تميلُ إلى الانتقام؛ وكان من رأيه أن “القسوة قد تبدو حلًّا سريعًا، لكن مآلها الفشل في النهاية، فلا شيء يثمر مثل اللين والصبر وقبول الآخر”.

ولعل هذا ما جعل (نضال) تصفه بأنه إنسانٌ طيب، “يعيش في عالمٍ صافي الطوية، في مدينة خالية من الدهاء والكيد، في عالم هو من صناعة إدراكه البسيط”.

ولقد كانت هذه الأفكار الثائرة من أكبر الأسباب التي جعلت (نضال) تقدر خالدًا وتعجب به، وتوشك أن تعترف بحبه صراحةً، وهي الأفكار ذاتها التي جعلت (وَدِّي هيلي) يضعه في دائرة اهتمامه، لأن دعوته تعترض مسارَه. وسوف نعرف قبيل نهاية الرواية أنه اعتُقل، ومكثَ أسبوعين في مُعتقل الكتيبة بعد أن قاموا بتمويه رفاقه بأنه مضى لوجهة غير معلومة. أُحيلَ بعدها إلى مُعتقل مجهولٍ لا يُفرَج عن نُزلائه في العادة إلا وُهم إما أكِفَّاء في أحسن الأحوال أو مشلولين.

● نضال:
و(نضال) نفسها ليست مجرد شخصية في الرواية؛ بل هي رمزٌ للمرأة التي لم تعد بعيدةً عن ميدان العمل والثورة والكفاح. صحيح أنها كانت معجبةً بخالد، رجلًا وثائرًا، وصحيح أنها كانت تنظر إليه أحيانًا نظرة الأنثى التي تخشى صولة الذكر، وتتذكر تحذيرات أمها التي كانت تحثها دومًا أن لا تفارق برج اليقظة، فليس كل من يبتسم يضمر لك مَوَدَّةً، فالأسد لا يكشر عن أنيابه إلا ليفترس؛ لكنها كانت وطنية من الطراز الأول، وعيًا وحماسةً وعملًا. ولعل الكاتب، وقد جعلها أولَ شخصيةٍ تظهرُ في الرواية، تقود جرَّافةً أقوى منها بمئات المرَّات، قد أراد أن يبرز أهمية المرأة في ميدان العمل والتحرر، وأنها شريكة الرجلِ في الحياة والكفاح. وإن ظلَّت وصايا أمها طاغية على فضاء التداعي: “احذري من الشباب فإنهم يجيدون التمثيل ويأتون في صور شتى لاستدراج فَرِيسَةٍ يلتهمون شرفها على حين غرة”.

إنها منذ أول صفحة في الرواية ساخطة عل هؤلاء الذين “حيَّدُونا عن المقاعد الدراسية؛ لقاء غرائزهم الانتقامية، اغتالوا طموحنا على مذبح الفردية المطلقة”. وكانت تتميز غيظًا من قهر الطاغية، وتسعى إلى أن تتحرر من من طوق “المؤقت” الذي ينخر في صميم عظام الأماني ويهوي بصرح الطموح إلى قيعان الذل والهوان. ولا تفتأ تتذكر ذلك المشهد الماثل الذي لا يبارح ذاكرتها، في ذلك اليوم حين خاضت والدتها في لجة من الدموع وهي تودعها للخدمة الإلزامية، تتشبث بها تعانقها وتربت على كتفها بيد ترتعش من هول اللحظة.

وتجلَّت وطنيتها الصادقة في قولها لرفيقتها (يوردانوس):

-​إن عشق الأرض يسكن في أدق تفاصيلنا إلى حدّ الجنون، فهذا الوطن هو الشيء الوحيد الذي لم يخذلنا، لم يغب عنا لحظة فهو مغروس فينا، وما تغاضينا أو تجاهلنا إلا لأننا لا نحتمل خدش جبين هذه الأرض الحبيبة؛ والمستبد ربما عرف نقطة ضعفنا هذه فيفترسنا بوحشية.

ومن المؤكد أن أفكارَها كانت تتماس مع أفكار خالد، وقد أكَّدَت ذلك بقولها له:

– يا رفيقي، أنني لا أشُكُّ لحظة بأن خطوطَ همومِنا ومشاغلِنا تتقاطع في كثير من المنعطفات، نحن فعليًّا شركاء في هذا.

وسوف نراها بعد غياب (خالد) تمثل امتدادًا لأفكاره الثورية، وصدى لهدوئه وحكمته، وفي حوارها مع رفاقها عما سيكون حين يسترد الوطن حريته ويتخلص من حكم الطغاة المستبدين قالت: وفقًا لمرتكز العدل، يملك كلٌّ منَّا شبرًا واحدًا غير منقوص”.

ولمَّا سألها (سيف)

-​حتى وَدِّي هيلي؟

تدخَّل (أمانئيل) بنبرة واثقة: “لا غبار إطلاقًا على ذلك، أليس وَدِّي هيلي فردًا مِنَّا”؟

وهو ما صادف هوى في نفس (نضال) التي كانت ترى أن (وَدِّي هيلي) هو الذي صنع حاله بنفسه، غارقًا مع الوقتِ في مستنقع اللاوعي بحقائق الأشياء، بينما كان الآخرون مُنشغلين بالإنجاز الأعظم، كان يعكف على ابتكار مِقلاع الإقصاء، ويبذر التصنيف في العقول.

وقد ضربت (نضال) مثلًا رائعًا للوفاء حين تمكنت من تبني “وعد” ابنة خالد؛ بعد أن أقنعت الحاج يحيى صاحب المتجر الذي كان يكفلها بعد وفاة جدتها. وكانت سعيدة بذلك، خاصة بعد ما علمت بطموح الصغيرة وشغفها في التحصيل العلمي علها تسدي لمجتمعها ما يستحق من خدمات. لقد كانت ترى في (وعد) امتدادًا رُوحيًّا لأفكار أبيها، وأملًا منتظرًا في أن يعود يومًا ما.

● شخصياتٌ أخرى:
ثمة شخصيات أخرى، ظهرت في أول الرواية واستمرت حتى آخرها، مثل (سيف، وأمانئيل، ولؤول)، وشخصيات أخرى ظهرت بعد غياب خالد وكانت عصب الأحداث من بعده، مثل (أحمد، ويوردانوس)، ولكلٍّ من هذه الشخصيات طبيعته ومزاجه وأفكاره، وإن اشتركوا جميعًا في الثورة على الظلم الذي يلحقه بهم (وَدِّي هيلي)، وفي وجوب العمل على إنهائه والتخلص منه.

● سيف:
كان (سيف) أقربَ ما يكون إلى أفكار (خالد) وطموحاته، ولم يُخفِ إعجابَه به في غير موضِع. وكان أوضح ما يكون حين قال بعد استدعاء خالد إلى قيادة الفرقة ومغادرته الكتيبة: “إن خالدًا يمتلك قدرة نادرة على تحليل المواقف، والنفاذ إلى أبعادها دون ارتباك أو تردد”. وهو لم يحصل على شهادة، وغادر مقاعد الدراسة من الصف السادس، وحين سُئِل عن التعليم كانت إجابته واقعية وحزينةً في الوقت نفسِه: التعليم؟ وأي تعليم؟ نحن هنا نمهد طُرُقًا للتحكم، ونشق الجبال، ونحرث الأرض، وعاء مفرداتنا خاوٍ إلا من “لبيك”، لسنا ممن يُتاح لهم السكن في بيوت حين تتهيأ؛ فما نحن سوى أسرى في دوامة مؤقتة، لا أحد يعرف مداها.

لقد كان يعرف أن (وَدِّي هيلي) لا يؤمن بالعلم، ولا يقدِّر أهلَه، ويذكر رفاقه عبارته القاسية الجاهلة: “إننا لسنا بحاجة لمن يُهدر وقتنا في دوامة التعليم، إنجازاتنا لم تُنتزع من مخالب المغتصب باليراع والقرطاس، انتزعناها بقوة الحديد والنار”. وكان من رأيه أن (ودي هيلي) يسعى إلى خلق مجتمع كامل من المعاقين في كل شيء؛ فهو يعامل الجميع كما لو كانوا عاجزين، بينما هو الوحيد المعافَى. وكان يرى أن (وَدِّي هيلي) يشخِّص قضايا الآخرين ويقترح بشأنهم حلولًا، لكنه يترك الحبل على غارب الغموض والتيه حين يتعلق الأمر بأولئك البؤساء في أتون الاستبداد. إنه يركض في المضمار وحيدًا، وهو مع ذلك من يفخخ أحلامنا ومساراتنا!

وكان يعتقد أن الوطن انتماء ينبسط على قبول الآخر؛ ليس في الوطن تمايز ومفاضلات بين من يمتلك نسبة حقوق أعلى وأدنى وآخر مجرد من حقه. أما إن بات مختزلًا في أفراد، فلا يعدو كونه مزرعة تتبع لفلاح يتصرَّف فيها بمشيئته. لقد درسنا على يدِ الاستبداد أن لعنة التخوين تلزم أعناقنا مهما حملنا راية الولاء أو ارتقينا إلى مصاف الشهداء.

وحين سُئِلَ: “لمن نبذل كل هذا العرق”؟ قال: لأولئك الضعفاء الذين لفوا خطام الكدِّ حول أعناقنا، والضعفاء في هذا تَمَامًا مثل نضال التي تقود آلة أكبر منها مئات المرات. ما نحن سوى قطيع يُتلاعَب به ونسير على ذات المسار الوعر نشق سُبُلًا هي خلاصة تجارب موغلة في السُّخْرَة في فجاج القمع الذي يتعاظم مده مع الأيام.

ويوم تعرض لعقاب شديد لم يكن له فيه ذنب، وعذبه زبانية (ودي هيلي) عذابًا نُكرًا، ظلَّ يطمئن رفاقه بأنَّ على المرء دومًا أن يتهيَّأ لمجابهة المخاطر والصعاب بروح تهزأ بمواقف عَرضية كهذه. فالرجل أصلب من أن ينكسر وأسمى من أن يُطال، فالشدة والصِّعاب هما مصنع الرجال.

وذات مرَّةٍ قال عبارةً رمزية ذات دلالة عميقة:

-​إذا تكرَّرت نفسُ الوجبة وبذات الطهي فإن ذلك يُفقدها قيمتها ويُقلل من هالة الإقبال عليها وهنا يلتئم شرط التغيير؛ حفاظًا على سلامة مَسار مذاقِ الأشياء.

كان (سيف) يحب (نضال) من طرف واحد، وانسحب بهدوء حين أيقن أن قلبها مع غيره، وظهرت (يوردانوس) في حياته لتعوضه عن ذلك الحب الضائع. وقد حدث بعد عودتها من المستشفى أن رأته قائمًا على الحراسة، وتمنَّت لو أتيح لها التحدث إليه. كانت تحلم بلحظة تبثه فيها من الوجد ما كان يتماوج في جوف ليالي “قِرار”، فسددت سهام لحظها تخترق حجب ليلٍ حالكٍ، ثم زفرت واستلقت على وسادة الشوق تغازل النوم.

أما سيف، فقد ظلَّ يترصدها بصمت، بعدما راقب تلك الخطوات المتكئة على العصا، وتلك العزيمة التي لم تكسرها الإصابة، وبينما أوت إلى موضع رأسها، قرر أنه قد آن الأوان ليعترف لها، ولكن ليس الآن. المهمة التي بين يديه مسؤولية لا تحتمل الانصراف لأغراض شخصية، هكذا بقي الحنين عالقًا في الحد الفاصل بينهما، في انتظار اللحظة المناسبة، التي قد تأتي، أو ربما لا تأتي أبدًا، وهم الذين اعتادوا على فراغ مفتوح بلا ملامح.

● أمانئيل:
أمَّا (أمانئيل) فهو من أبناء أسمرا، أكمل المرحلة الثانوية، وحصل على إجازة في الحاسوب في مجال الصيانة والبرمجة. وهي ميزات لم تكن تمثل عند (ودِّي هيلي) شيئًا؛ لأنه لا يقدر المتعلمين، ولا يحبهم، وكان يرى في وعيهم خطرًا على منصبه، وكثيرًا ما كان يتعمد إحباطهم والإساءة إليهم، ويقول: “إننا لسنا بحاجة لمن يُهدر وقتنا في دوامة التعليم، إنجازاتنا لم تُنتزع من مخالب المغتصب باليراع والقرطاس، انتزعناها بقوة الحديد والنار”.

كان (أمانئيل) يحلم بأن يفجِّرَ نهر الجماعة في غابة الانفراد الموحشة، وأن يكون صوتهم حين يلوذ الجميع بالصمت، وأن ينتصر للجماعة التي انتُهِك عرضها وانزوت في زوايا القمع ورودًا ذابلة.

وحين استدعيَ خالد إلى جهةٍ غير معلومة، وغاب عن الكتيبة، قال (أمانئيل): -​لقد فقدنا اليوم سورًا عظيمًا كنا نتحصن به دون أن نشعر، لقد كان خالد هو الأمان؛ بوجوده كنَّا نطمئن، وبغيابه انهار الجدار وبتنا في العراء مكشوفين.

وحدث أن قال له سيف مرةً: “إننا نقفُ على أرضية أَوهنَ مِن أن تعيننا في أن نُثبتَ لمدقِّقي النوايا الذين يغوصون في أعماقنا ويُفاجئوننا حتى بما لا نعلمه في أنفسنا. ولا أنس كيف أن ودي هيلي تجرأ ذلك اليوم حين قال لي: “يعمل سيف اليوم بنصف طاقته”. ولما جاءه ردي كاد ينفجر من الغيظ”. فأرسل نظره نحو أفق بعيد قائلًا: بل ظللنا نُثبتَ لهم أنهم على حقٍّ، حين نجثو على رُكَبِ الذُّلِّ ونُقرُّ بكل الذي ألصقوه فينا، تبريرًا لنهجهم الغريب، أليست أغلب مجالسنا تعج بتبرير الظلم وتدافع عبثًا عن الاستبداد، لمجرد غاية تافهة لا تجسد في الواقع إلا هواننا، ندافع عنهم على أملٍ مهترئ؛ نبرر خضوعنا المهين برجاء كسيح لعل عفوهم وصك الغفران يشملنا.

● لؤول:
وكان هو الآخرُ يؤمن عمليًّا بأن (ودِّي هيلي) ورهطَه لا يعيرون المؤهلات العلمية أدنى اهتمام وهم الذين يرددون بمناسبة أو غيرها أنهم لم ينجزوا الوطن بمؤهلات علمية، إنما تتحقق ذلك بالقوة والعضلات.

وهو ما صرح به يومًا لخالد حين قال له: إن ودي هيلي يُفكر نيابة عنا جميعًا، لقد تكرّم علينا بذكائه الحاد ووعيه اللامحدود، فتم إعفاء عقولنا من مشقة التفكير، وَدِّي هيلي ليس بسيئ؛ فقط مزاجه مرهون بالحالة النفسية في أماسي الحانات، فلا جميل يحفظه لأحدٍ يتعثر لحظة، وعلى حد النشوة تتخذ قرارات تترنح بين رغبة مراهق عربيد وشيخ ناقم على فرص فاتته في الصبا!

وكان يرى أنَّ العدل ليس الحبس محله، فهو مثل الشمس يجب أن يشرق على الجميع ويشيع بين الناس ناشرًا جداول الحقوق تجري كالنهر يروي نفوسًا أرهقتها ظمأة القهر.

● ناقول:
شخصية مريبة ومحيرة، يختلف الجميع في أمره، وإن كان منهم من يتعاطف معه. قيل إنه كان عنصرًا حركيًّا، يتمتع بشعبية عريضة، وفجأة تحول إلى أصم. يرد على الكلام الذي يدور حوله بالتخمين، ولهذا تجده إما يغلظ عن سُوء فهم، أو يكتفي بابتسامة. لا أعلم بشأنه الكثير لكني سمعت في سياق حديث أنه كان عنصرًا حركيًّا، يتمتع بشعبية عريضة، وفجأة تحول إلى أصم؛ قال ذلك أحد أفراد كتيبتنا كان على سابق معرفةٍ به قبل أن يتمَّ إلحاقه هنا.

نضال: ناقول شابٌ سليم، لديه إعاقة في السمع فقط، وهذه العاهة لا تمنعه من أداء الخدمة، ألا ترين أنه أفضل مَن يَقوم بواجبه بإخلاص؟

قال لنضال: نحن معشر الرجال أحيانًا لا نكترث بالأنثى ولا نميل في الغالب لإطلاعها على كُلِّ تفاصيلنا؛ إذ نحرص على إبقاء حاجز بيننا وبينها.

شعرتْ نضال أنَّ ناقول شخصٌ غير سَويٍّ، مُكبِّلٌ نفسه في مُستنقع سُوء الظنِّ بالآخرين، وبدأتْ تنفر منه، وقد كانت من قبل تتعاطف معه وتنبري للذَّودِ عنه بالتماس الأعذار له، عند كل هَفوة وخطأ يصدر منه أو يزعج الرفاق.

-​نحن لا نستحق هذه الرفاهية التي نرفل فيها، كان على ودي هيلي أن يُلازمنا كالظل، لا أن يترك لنا فراغًا نهرف خلاله بما لا نستطيع التثبت منه، وأنتِ يا نضال أكثر من تَكفُر بهذه النعمة يومًا إثر آخر.

وحين قالت له:

 

-​إذن، أنت محاطٌ برهطٍ مِن المثبِّطين المحبِطين؟

أجابها ناقول بثِقة:

-​”أنا لستُ فاشلًا؛ بل أنتِ الفشل بعينه، وكم أشعر بمرارة هذه الحقيقة”.

وقال لها مرةً أخرى:

-​كان الأجدر بك أن تكوني أكثر حياءً، فالأنثى لا تَضحك بصوت عالٍ في حضرة رجال، فالحياء قيمة جمالية تزين هامة الفتاة مثلك، هذا إن كنت فتاة أصلًا.

وحين قال (نضال) متفائلةً: أي أنَّنا سنتغيَّرُ؛ لأنَّ شرط التغيير قد التأم فِعليًّا، ردَّ ناقول كاشفًا عن دخيلة نفسه:

-​أراكِ تتفاءلين كثيرًا، فليس مِثلك مَن يطلبُ التَّغييرَ، ولن تنتقلي مِن هذه الكتيبةِ إلى أُخرى، قدرُك أن تبقي هنا وعلى ما أنت عليه، حسبنا التغيير والتنقل، فالأمر سِ يَّان هُنا وهُناك.

لقد كان ناقول يُثير الكدرَ بين الرفاق، فهو لا يُدرك حديثهم إلا مُشوَّهًا بسبب ضعف سمعه، فيظن دائمًا أنهم يسخرون منه، فيما كانوا حيارى بين الشفقة والضجر من فهمه المُعاق. وكثيرًا ما كان صوته يتسلَّلُ إلى المشهد، دفاقًا بالوفاء والإقرار بجميل القائد الذي تفضل بإعفائهم من مشقة التفكير، يعاملهم كما لو كانوا فلذات أكباده، يكدُّ لوحده يوفِّر لهم سُبلَ العيش! وقد فضح تحيزه المشبوه لودِّي هيلي حين مدحه قائلًا: : إنه عزُّنا، لولا وجوده لضاعت الأماني وتفشى الجور، الرجل عادل لا يرضى بالضيم، ألا ترونه كيف يدافع عن المظلومين حتى خارج حدودنا؟

وسوف ينكشف أمره حين تعرف (يوردانوس) من صاحبةٍ لها فقد همست إليها صوفيا بخطورةِ شخص يَدَّعي عاهة الصمم في (الكتيبة 35)، ولم يتسنَّ لها التعرف على اسمه. إنه مزروع هناك من قائد الكتيبة يقوم بمهام الترصد وتصيد كلِّ هَفوة وزَلة لسان، وكان قائد الكتيبة معجبًا من صياغة الأصم للتقارير بشكل احترافي، ويُثني عليه بأنه يجيد التخفِّي؛ ولولاه لما تمكنوا من معرفة أفراد الكتيبة واحدًا إثر آخر، كما أثنى على قائد إحدى السرايا الذي كان يختار أوقاته بعناية لملاقاته.

ورغم حقيقته السيئة هذه، ورغم وقاحته مع (نضال) تحديدًا؛ ظلت نضال تنتظر أن يتغير، وتأمل أن ينضم إلى المجموعة الوطنية، وظهر هذا حين قالت لسيف وأمانئيل:

-​عليَّ أن أستدعي رفيقي ناقول، ليس مِن الذوق أن تنفردا بالحديث مُستغلين غيابه عن الجَلسةِ، فهو في بعض الأوقات يمثل نكهةَ المنتديات الصغيرة التي نعقدها بين الفَينةِ والأخرى على قِصرها وبرامجها غير المعدَّة سلفًا، إنه ليس سيئًا يا سيف، وإنَّ مهمة دَمجه هي من صميم مسؤوليتنا حتى نخرجه مِن دائرة سُوء الفَهمِ الذي يُسيطر عليه.

واسترسلت: ودي هيلي يرفل غير مُبالٍ في نرجسيته؛ ظنًّا منه أن ذلك ينطلي علينا. أما إصلاح ناقول فهو يحتاج إلى صبرٍ من طرازٍ فريدٍ.

ومن العجيب أنها كانت تقول هذا رغم علمها بأن (ناقول) كان يتعمَّد إيذاءَها والإساءة إليها، وأرادت أن يعلم رفاقها هذا، فقالت: إني أحمل عليه بشدَّةٍ جنوحه دومًا لإثارتي. ولا أنس أنه كيف أشعل في جوفي لهيب ثورةٍ مِن الغضبِ العارمِ، كظمتُه بصعوبة بالغة حين كان يستفزني ويتعمَّد إثارتي كأنما كان سعيدًا باختفاء خالد كل هذه المدة.

ويبدو أنه لم تكن هناك فائدة من إصلاح (ناقول)، وظل مثار قلق لرفاقه، وذات صباحٍ فوجئ الجميعُ بتسريحه نزولًا على رغبتهم.

● يوردانوس:
رفيقة (نضال) وصديقتها، وإن كانت تختلف عنها في بعض الصفات، وربما تخالفها في بعض الآراء. كانت نضال أكثر وعيًا وأشد ثورية، وترى أن المرأة ليست مجرد أنثى تُحَبُّ وتُشتَهى وتتزوج وتنجب؛ ولكنها شريكة الرجل في كفاحه وجهاده. وفي الوقت الذي كانت تميل فيه (يوردانوس) إلى أنَّ الأنثى إذا ما لزمت الزوج في الحقل وخاضت في المجهود العضلي فإن ذلك يَطال الإخصاب سلبًا، كانت (نضال) تجيبها بأنه يكفي أن تنحدر على خدِّك دمعةٌ ساخنة حين ترين أحدهم يُعاقَب في رابعةِ النهارِ على مُخالفةٍ بسيطة لا تستدعي معالجتها كل ذلك العقاب الفج، هذا دور عظيم تلعبينه إلى جانب مَهام تؤدينها بجانب الرجل.

وحين حدثتها عن رفيقتهما (إلسا) التي عبرت الحدود إلى أوربا، وأظهرت أنها تغبطها على اقتحامها عالم الحريات من أوسع أبوابه، قالت لها (نضال) إن إلسا اختارت من الحلول أقصرها وأقساها في وقتٍ واحد. وأكَّدت لها أنه ليس كل من يلتقط صورة بجوار مَعلمٍ ما هناك يعيش حياة الرفاهية، فهناك من حارت به البوصلة، فيستعيض عن إحباطه بتلك اللقطات، وهي حتمًا لا تعدو سوى حِيَلًا لمواجهة واقعٍ فوجئ به. بينما لا يجد الذين يعملون وقتًا يتواصلون فيه مع ذَويهم؛ سواء كان عاملًا أو طالبًا، فلا تظنِّي الصورَ الشخصية دليلًا على الرفاهية؛ كمٌّ هائل مِن إحباطٍ يحتشد خلفها.

ومع هذا فإن (يوردانوس) على هؤلاء الذين أذاقونا مُرَّ كؤوس الذُّلِّ وحطَّموا عظام قُدراتنا التي باتت في حُكم المشلول وسحلوا كَرامتنا، بينما نجدهم مُترفين لا يتنازلون عن حقِّهم الذي فوقه سلبوا حُقوقَنا دُون حياء. ولعلها كانت عملية حين قالت إن فمن لم يستوعب دروس ودي هيلي، يتحمل عواقب سوء فهمه، فهو لم يوارِ منا شيئًا، قالها جهرًا منذ البداية.

ولقد أحبت (يوردانوس) (سيف)، رغم ضيقها بغروره في البداية، وكانت تتوق إلى لحظة الانفراد بهذا الفارس المقاوم العنيد الذي لا يلوي على عارضٍ مُستهينًا بالصعب. وكانت لوعة الشوق للُّقيا؛ جمرةٌ تحرق أحشاء أفكار (سيف) الذي شعر لأول مرة بأعراض حُمى رغبةِ الذوبان في الآخر، إنها حتمًا مشيئة الحُبِّ؛ إذ لا صريخ يجدي حينما يرتفع منسوب فيضان الحب الهادر؛ الأمر الذي ينذر بالغرق حيث تتهاوى حصون الرزانة لا محالة.

وحين كُسِرت ساقها وحجزت مدة في المستشفى، حسدها بعض رفاقها على أنها استراحت من العمل الشاق، وتحررت من السجن الكبير، ولما عادت وسألت (نضالًا) عما تغير في غيابها، أطلقت نضال زفرة عميقة، وكأنها تود أن تفرغ ما في صدرها:

-​لا شيء؛ الوجوه نفسها، الغائبون لم يعودوا بعد، لا المباني تغيرت، ولا الطرق، لا شيء ينمو، كل شيء جامد، ثابت، لا يتزحزح يبدو أننا فقدنا الإحساس بالجديد، لا نبالي أن نراوح مكاننا بعد أن قطعنا علاقتنا بالحركة والزمن والمتغيرات؛ فلا شيء جديد ننتظره. ، ثم أضافت وهي تشير بيدها: إن العالم من حولنا يتحرك، لكننا بحكم حبنا للصمود، نظل في أماكننا، لا ننمو، ولا نتغير، ولا نكترث حتى بالتطور الذي يمر قطاره بجوارنا.

* أحمد:

فوجئ به أفراد الكتيبة 35 وقد اصطحبه شخصان مسلحان، أعاداه بعد غياب عامٍ أمضاه متخفِّيًا عن عيون (وَدِّي هيلي)؛ إذ كان يقوم على شئون أسرته. بدأت ملامح شخصيته تتضح حين سأل أمانئيل الرفاق عن الحل المناسب بعد أن أفاضوا في تشخيص الحال، وردَّ عليه لؤول بأن الحلَّ الفردي المتاح هو الفرار، وقد رأينا أنَّ رِفاق الأمس صاروا اليوم أشخاصًا آخرين في الشتات، كان من رأي أحمد أنه من عَوَر الفكر أن نستقر لفكرة الفرار كحَلٍّ؛ إذ لا فرق بيننا في هذه الحالة وبين مَن يفرُّ من ساحة معركة، والرسوُّ على شواطئ هذه الفكرة يُمثل منتهى الأنانية.

ولم يسترح الرفاق، وبخاصة سيف، إلى حديثه كثيرًا، وإن كان حديثه هذا قد أثار في نفس كل منهم هذا السؤال: هل كانت خطوة الرفاق نحو الفرار بجلدهم إلى خارج الوطن موفقة؟ أم أنهم فروا من قلب المعركة متخاذلين؟ هل يستقيم أن نلحق بهم سبة الخيانة والعار، لأنهم فقط لجأوا إلى ما رأوه حلًا فرديًّا للخلاص من فخ مؤقتٍ غير مسمى؟ وهل مدَّ الرقاب لسكين السُّخرة يُعَدُّ جَسارة؟ من يقف خلف موجة الفرار ويغذي مشروع تفريغ الوطن من أدوات بنائه؟

لقد كان يؤمن بأنه : ليس هناك من يُجيرنا من الظلمِ والاستبداد، نحن من نُجير أنفسَنا ولا أحد سوانا، حين يَغرزُ الاستبداد نابَه في عنق الأُمة وتستكين؛ يكون حالها مثل قطيع يَصطف وجلًا في طابور الانتظار المرعب حابسًا أنفاسه يقطِّر بَولًا، وهو دَور لا يليق حتمًا بمن يشرئب صوب فضاءات مُزدانة بشمس العدل.

***

هذه هي الشخصيات المهمة في الرواية، أو الفاعلة إذا شئت تعبيرًا أكثر دقة. وقد يعجب القارئ أنني لم أضع بينها (وَدِّي هيلي) الذي تردد ذكر اسمه كثيرًا. وقد قصدت إلى ذلك قصدًا لأننى أراه قد حضر رمزًا أكثر مما حضر شخصًا، وظل خارج الأحداث، وإن كان هو الذي يحركها، وبعيدًا عن الثورة وإن كان هو الذي يؤجِّجُها.

ولست أبالغ إذا قلت إن الكاتب قد جعل منه نموذجًا للطاغية الجاهل، وصورة للمستبد الغاشم، وإن كان عبر فصول الرواية كلها مجرد قائد كتيبة؛ وليس للطغيان كما قال (جون لوك) صورةٌ واحدة، فمتى استُغِلَّت السلطة لإرهاق الشعب وإفقاره تحوَّلت إلى طغيان، أيًّا كانت صورته. أو كما قال أفلاطون في الجمهورية: إن من يقتل الناس ظلمًا وعدوانًا، ويذُق بلسانٍ وفمٍ دنِسَين ويشرِّدُهم ويقتلهم، فمن امحتَّمِ أن ينتهيَ به الأمرُ غلى أن يصبح طاغيةً وتحول إلى ذئب.

وإذا كان صحيحًا أن العبيد يصنعون الطغاة، وأنَّ كلَّ شعبٍ يصنع الطاغية الذي يستحق؛ فإن الشعوب وحدها هي التي يمكنها أن تسقط الطواغيت وتسترد بإرادتها حريتَها وكرامتَها. وقد قرَّرَ أفراد الكتيبة 35 ذلك بعد أن احتملوا فوق ما يطيقون، ولم يعد لهم في قوس الصبر منزع، وهو ما جاء في عبارة قالها سيف:

-​إلى متى نحبس الأنفاس ونَعدُّ نبضَ الرِّقابة على النفسِ في ليلٍ لا ينجلي إلا ليَعقبه ليلٌ أطولُ منه؟

وأخرى قالها أمانئيل: إن بلوغ الغايات وإدراكها لا تتأتَّى بالتمنِّي.

لقد أيقنَ الرفاق على أن الحلَّ بين أيديهم ولن يُعجزهم استرداد الحق المغتصب، وقد أنجزوا من المهام أصعبها وأعقدها وهُم يذودون ببسالة عن حِياض الوطن، وخاضوا مَسالك البناء والتعمير العالق، بعد أن تسامى الرفاق فوق حيل غبيٍ يخدع نفسه بإخضاعهم. أدرك الرفاق أن اقتحام أسوار الاستبداد لم يعد عصيًّا متى قرروا اجتثاثه.

لقد التأم الشرط، ولم يعد ثمة مبرِّرٌ للانتظار، وإذا كانت عبارة (والشرط قد التأم) تشيرُ لغويًّا إلى اكتمال أركان جملة الشرط: (الأداة، وفعل الشرط، وجواب الشرط) وتحقق التلازم بينها، مما يعني لزوم تحقق الجواب بوقوع فعل الشرط، فإن طغيان (ودِّي هيلي) وأعوانه قد وصل إلى آخر مداه، وآن الأوان أن توضع له نهايةٌ حاسمة، ولقد أجمع الرفاق بصوت واثق على وضع شارات على المسير منذ اللحظة لكسرِ قيود الظُّلم والانقضاضِ على عُنق الاستبدادِ والنَّفاذ إلى كلِّ مَن حُرِم رُؤية الشمسِ في دهاليز الإقصاء ودوَّامة السخرة.

إنهم لم يعودوا يتغنون بالبحر دون أن يقلقوا سكون سمكة واحدة؛ بل صاروا يثيرون الموج، ويزعجون الحيتان، ويحطمون عروش الجبابرة.

● كلمة أخيرة:
إن رواية (والشرط قد التأم) هي الثانية للأستاذ محمد صالح حيدر بعد روايته (ما وراء الأمل)، وأكاد أزعم أنها تمثل امتدادًا لها، بشكلٍ أو بآخر، لا في الأحداث وإنما في الفكرة. وإذا كان بطل الرواية الأولى، وهو المؤلف نفسه على أرجح الظنون، قد وصف معاناته الإنسانية المؤلمة وهو يفر من وطنه مضطرًّا، ويرحل بعيدًا عنه إلى بلد ناءٍ غريب، تاركًا وراءه أهله وبيته وذكريات عمره، فإنه في هذه الرواية يكاد ينقلب على نفسه بعد طول مراجعة، ويعترف صراحة بأن الهروب ليس هو الحل، وبخاصة بعد أن (التأم الشرط)، وصار وعي الناس بوجوب الثورة ضرورة حتمية. ولعل هذا يعكس معاناته النفسية في غربته، ورغبته المكبوتة في العودة إلى بلاده، وهو ما ظهر أيضًا في وصف بعض معالمها ومدنها وقُراها خلال الرواية.

وهي رواية تمثل حيرة المهاجر بين ماضيه وحاضره، وتشتته بين وطنه ومنفاه، وهي في كل سطورها تنطق بالصدق، وتنضح بالألم، وتبدو كأن المؤلف لم يكتبها بمداد القلم، بل سطَّرها بدم العروق.

ولقد أرادَ الكاتب أن يثبت أن الشعوب تتغير من داخلها، وأنها هي التي يجب أن تحرِّرَ نفسَها دون أن تنتظر معونةً من أحد؛ فأهلُ مكة أدرَى بشعابِها. ولكم كان واقعيًا حين كان ينتقل بالأحداث من موقع الكتيبة إلى الناس في القرى والمدن، ولم يقدم لنا صورة مثالية للناس فيها؛ وإذا كان هناك يحيى الذي وقف بجوار أسرة خالد وتكفل برعايتها والإنفاق عليها، فإن هناك من ضاق بهم ورفض أن يمدَّ لهم يد العون.

وفيما يتصل بأسلوب الرواية غير ما أشرنا إليه من سلاسة اللغة وجمال التعبير، فالكاتب ترك النهاية مفتوحة دون أن يضع لها نقطة ختام واضحة؛ ونحن حتى آخر كلمة في الرواية لا نعرف إن كانت الثورة قد وقعت أم لم تقع، تمامًا كما فعل في علاقة الحب بين (خالد ونضال) وبين (سيف ويوردانوس)، وكأن كل شيء في هذا الوطن لا يبلغ تمامه، رغم التئام الشرط، وكأن الناس (يمشون في المكان باستمرار)، أي أنهم يتحركون ولكنهم لا يتقدمون.

ومن المهم قبل أن نختم هذه السطور التي طالت أكثر مما يجب، أن أشير إلى بعض الميزات الفنية: أولها دقة الكاتب في انتقاء أسماء بعض شخصياته، فنضال رمز للمقاومة، وخالد رمز لبقاء الفكرة التي ظلت تلهم أفراد الكتيبة حتى آخر الرواية، وسيف رمز للقوة والصلابة، ووعد ابنة خالد رمز لاستمرار الكفاح، وحتى ناقول، كان رمزًا للعميل الخائن الذي ينقل أخبار رفاقه إلى سيده ووليِّ نعمته. وفيما يتصل بالشخصيات أيضًا لم يُشعرنا الكاتب ولو بكلمة واحدة أن من بينها مسيحيين، وهو بهذا يعبر عن طبيعة المجتمع الإرتري السمحة السهلة الطيبة، التي لا تفرق بين المواطنين حسب دينهم، ولا تصنفهم تبعًا لمعتقداتهم، وهو ما ظهر أيضًا في تسامح أعضاء الكتيبة 35 مع ناقول، واقتراح نضال على أن يكون لـ(وَدِّي هيلي) نصيبٌ في خيرات الوطن، وهو ما أكده (أمانئيل) في خاتمة الرواية بقوله: ” حتمًا لن تجد هناك من يتوق للثأر أو الانتقام، فالغاية هي استرداد الحق المسلوب. حق معجون بأشعة شمس تشرق على مسارب العدل مكحولًا بضوء القمر”. وقد يكون في هذا مثالية زائدة أو طيبة مبالغ فيها، لكنها طبيعة الإرتريين الأصيلة فعلًا، ولكن أكثر الطغاة لا يفقهون!

ويبقى أن أعترف، وقد درستُ رواية الكاتب الأولى وكتبت عنها، بأنني لم أكن أتوقع أن يتطور أسلوبُه وتتنوع تقنياته بهذه الصورة؛ لقد تفوَّقَ على نفسِه فنيًّا إذا جاز التعبير، ربما لأنه تمرَّد على ذاته نفسيًّا، وتجاوز الفرد إلى المجتمع، وجعل الخلاص للجميع وبالحميع، وهو ما يذكِّرنا بالشعار الذي أطلقه توفيق الحكيم في روايته (عودة الرُّوح): “الكل في واحد”، مما يعني أن الجموع الكثيرة رغم اختلاف أفرادها، طبائعَ وميولًا ومذاهب، تصبح كيانًا واحدًا حين تتوحد في شعورٍ أو إرادة أو غاية، ساعتها يذوب الجميعُ في رُوحٍ واحدة، فلا تعود هناك فرديَّةٌ منعزلة، بل وحدة شاملة.

ورأيي أن الرواية قد أدَّت ما ابتغاه الكاتبُ منها؛ ونجحت في أن تستفزَّ القارئ لتضع الكُرَة في ملعبه، ويدركَ أن الدَّورَ عليه في أن يثورَ ويغضب، وأن يقولَ هو الآخرُ كلمتَه في وجه الظالمين والطغاة. وإذا كانت الرواية صرخة منفِيٍّ عن وطنه ومغتربٍ عن أهله، وهي بهذا تكون معادلًا موضوعيًّا، خفَّف شيئًا من آلامه وأشواقه، فإنها (دعوةٌ فنيَّة)، بل تحريضٌ، لاستفزاز الهمم وشحذ العزائم، لتصحوَ الشعوبَ المقهورةَ من غفوتها، وتهُبَّ ثائرةً لتستعيد حريتها وكرامتها وحقوقها. ساعتها أيضًا يمكننا أن نقول: “والشرطُ قد التأم”!

Related posts

Leave a Comment