تحقيق: محمود ابومسلم
لا يزال ملف التصالح في مخالفات البناء يتصدر قائمة الأزمات التي تؤرق الشارع المصري، فرغم المساعي الحكومية لتقنين الأوضاع، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى “جدار عازل” من التعقيدات التي جعلت من حلم الاستقرار كابوساً يطارد الملايين. تصريحات صادمة لمسؤولين ومراقبين كشفت أن نسبة الرفض لطلبات التصالح وصلت إلى نحو 80%، ما يضع ملايين الأسر تحت مقصلة العقوبات أو شبح الإزالة.
عقبات إدارية.. وطلبات “تعجيزية”تكمن الأزمة الحقيقية في الفجوة الواسعة بين نصوص القانون وآليات التطبيق. يروي مواطنون قصصاً تقترب من “الخيال الإداري”، حيث يجد صاحب شقة سكنية بسيطة نفسه مطالباً بـ “طلاء واجهة العمارة بالكامل” كشرط أساسي لقبول تصالحه، وهو شرط يراه الخبراء تعجيزياً وغير منطقي، خاصة في ظل رفض باقي سكان العقار المشاركة في التكاليف.
أما الصدمة الكبرى، فتتمثل في المبالغ المالية المطلوبة؛ فبينما وضع القانون حدوداً سعرية للمتار، يتفاجأ البعض بمطالبات تصل إلى 800 ألف جنيه، وهي أرقام تفوق القدرة المالية لشريحة ضخمة من المواطنين، وتخالف روح القانون الذي جاء لـ “التيسير” لا لـ “التعجيز”.
أزمات تقنية معلقة: الجراجات و”صب السقف”
يبرز ملف “الجراجات” كأحد أكثر النقاط تعقيداً، حيث يتم رفض التصالح في حالات يكون فيها تصميم العقار الأصلي خالياً من الجراج، مما يضع المواطن في مأزق قانوني لا يد له فيه. وبالمثل، تظل مشكلة “صب السقف” عالقة، حيث لم يتم حل سوى 3% فقط من الحالات، مما يترك آلاف المباني “هياكل خرسانية” غير مكتملة وغير صالحة للسكن الكريم.
”كيف يتظلم المواطن لدى نفس الجهة التي رفضت طلبه؟”
يرى قانونيون أن هذه النقطة هي “الثغرة الكبرى”، حيث تفتقر لجان التظلمات للحيادية المطلوبة طالما بقيت الخصم والحكم في آن واحد.
خارطة الطريق: هل من حل عملي؟
في ظل غياب تحديد واضح لـ “الأحوزة العمرانية” في كثير من المناطق، يبقى المواطن تائهاً بين المحليات والجهات الإدارية. ومن هنا، تتعالى المطالب بضرورة التدخل التشريعي العاجل لإصلاح هذا المسار من خلال:
تعديل القانون: لضمان أسعار عادلة تتناسب مع البعد الاجتماعي لكل منطقة.
نظام “الشباك الواحد”: لإنهاء رحلة العذاب بين الهيئات المختلفة وتوفير الوقت والجهد.
فصل لجان التظلمات: لضمان نزاهة القرارات ومنح المواطن فرصة حقيقية للمراجعة.
واقعية الاشتراطات: إلغاء الشروط التي لا تتعلق بوحدة المواطن السكنية بشكل مباشر (مثل طلاء كامل العقار).
كلمة أخيرة
إن ملف التصالح ليس مجرد جباية لأموال أو حصر لمبانٍ، بل هو ملف يمس الأمن الاجتماعي لقطاع عريض من المصريين. إن إنهاء هذا الملف لمصلحة المواطن يتطلب إرادة سياسية تغلّب الحلول العملية على التعقيدات البيروقراطية، قبل أن تتحول هذه المخالفات إلى أزمات اجتماعية لا يحمد عقباها.
