بقلم الإعلامية رادا الجوهري
هناك أصواتٌ تمرّ كعابر سبيل، وأخرى تترك في القلب أثرًا لا يُمحى، كأنها خُلقت لتكون جزءًا من الذاكرة، لا مجرد محطةٍ في طريقها. صوتٌ حين يصمت، نشعر أن شيئًا في داخلنا قد خفت، وحين يغنّي، نستعيد أنفسنا كما لو أننا كنا نبحث عنها منذ زمن.
هذا المقال من نوعٍ خاص… ليس لأنه يُكتب في ظرفٍ إنساني دقيق، بل لأنه يُكتب بدافع حبٍ خالص، واعترافٍ مستحق لفنانٍ لم يحمل الفن كحرفة، بل كرسالة، ولم يغنِّ ليُرضي جمهورًا عابرًا، بل ليبقى في وجدان أمة كاملة.
ولعلّ ما يميّز هذا الفنان حقًا، أنه لم يكن صوتًا جميلًا فحسب، بل كان ضميرًا فنيًا حيًّا، يدرك أن الغناء مسؤولية قبل أن يكون شهرة. وفي زمنٍ اختلت فيه المعايير، ظلّ وفيًّا لجوهر الطرب الأصيل، يختار كلماته بعناية، ويصوغ إحساسه بصدقٍ نادر.
وفي زمنٍ تغيّرت فيه الأذواق، وتسارعت فيه الإيقاعات، وارتفعت فيه الأصوات، اختار أن يبقى وفيًّا لذلك الخيط الرفيع بين الطرب والروح، كما تُصان القيم في قلوب النبلاء… فهو الفارس النبيل بأخلاقه، وأمير الغناء العربي بصوته الدافئ الأصيل. فكان حضوره هادئًا كالقيم التي يحملها، وعميقًا كالأثر الذي يتركه… أثرٌ لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يبقى.
ومنذ البدايات… لم يأتِ هذا الصوت كضيفٍ عابر على الساحة، بل جاء وكأنه يعرف طريقه جيدًا إلى القلوب. كانت أولى خطواته تحمل ذلك الوعد الخفي بأننا أمام فنانٍ مختلف، لا يتكئ على صخبٍ مؤقت، أو يسعى للشهرة فحسب بل يبني حضوره لبنةً لبنة، بصبر العارف وقلب العاشق. وكانت أولى أغنياته تشبه بملامح طفلٍ نقيّ، لم تفسده حسابات السوق ولا استعجال النجومية، فبدت صادقةً إلى حدٍّ يجعلها قريبة من الناس، قُرب الحكايات التي تُروى في كل بيت.
لم تكن الأغاني مجرد محاولاتٍ أولى، بل كانت خطواتٍ ثابتة نحو فنانٍ يعرف ما يريد منذ اللحظة الأولى. ومن بين تلك البدايات تبرز «حلوة يا دنيا» (1972)، التي قدّمه من خلالها الموسيقار محمد الموجي للجمهور، إعلانًا هادئًا عن صوتٍ قادر على أن يلفت الانتباه دون صخب ومرورًا بأغانٍ عديدة، منها «تسلم لي عيونه» حيث ظهرت بساطة التعبير وقربه من الإحساس، و«ياريتك معايا» التي بدا فيها الشجن واضحًا دون مبالغة، إلى أن أخذت ملامح هذا الصوت تتشكل بثبات، وتقترب أكثر من وجدان الناس.
حتى إذا اكتملت تلك الملامح، لم يعد الصوت مجرد وعدٍ بالبداية، بل صار حضورًا يُعتدّ به، ومعه جاءت المرحلة التي تحوّل فيها من فنانٍ واعد إلى اسمٍ راسخ في وجدان جمهوره. فكانت «هو إنت لسه بتسألي» واحدة من اللحظات الفارقة، لا كأغنية ناجحة فحسب، بل كعلامةٍ أكدت أن هذا الصوت لم يعد يقدّم نفسه، بل يفرض حضوره بهدوءٍ وثقة.
ولم تكن تلك اللحظة إلا بابًا اتّسعت منه تجربته، فامتدّت أغنياته لتشمل مساحةً إنسانية كاملة، لا يحدّها نوعٌ ولا يحصرها مزاج. في العاطفة، قدّم ما لا تُحيط به الكلمات، أغنياتٍ تُروى ولا تُعدّ، تختبئ في تفاصيل الحب والحنين والفقد، حتى باتت جزءًا من ذاكرة الناس. وفي الوطن، كانت له نبرةٌ لا تُخطئها الأذن، صادقةٌ لا يشوبها ادّعاء، يعلو فيها الإحساس قبل الصوت، ويغلب فيها الانتماء على الأداء.
هي تجربةٌ لا تكفيها صفحات، ولا يحتويها مقال… لأن ما فيها لا يُحصى بعدد الأغاني، بل يُقاس بما تركته من أثر، أثرٌ لا غبار عليه، ولا خلاف حوله، وكأنها كُتبت لتبقى، لا ليطويها النسيان.
ولم يقتصر هذا الحضور على الأغنيات وحدها، بل امتدّ إلى خشبات المسارح التي احتضنت صوته، حيث بدا في كل مرة كأنه يلتقي بجمهوره لأول مرة. على مسرح الأوبرا، وضمن أمسيات مهرجان الموسيقى العربية، كان يقف بثبات الفنان الواثق، يقدّم الطرب في أبهى صوره، محافظًا على هيبة الأغنية ورقيّها، في مشهدٍ يعيد للأذن ذاكرتها الجميلة.
وبالقدر نفسه من الصدق، كان يقترب من جمهوره لا كفنانٍ يقف بعيدًا، بل كإنسانٍ يعرفهم ويشبههم. لم تكن المسافة بينه وبينهم تُقاس بعلوّ المسرح، بل كانت تُختصر بابتسامةٍ صادقة، تسبق صوته وتظلّ عالقةً في الوجدان، كأثرٍ جميلٍ لا يزول كان يلتفت إليهم بعينٍ فيها امتنان، ويحيّيهم بحضورٍ فيه دفء، حتى تشعر أن العلاقة ليست بين مطربٍ وجمهور، بل بين قلبٍ يُغنّي وقلوبٍ تُصغي.
ولم يكن هذا القرب من الناس مجرد سمةٍ إنسانية، بل امتدّ ليصبح موقفًا ومسؤولية حين تولّى رئاسة نقابة المهن الموسيقية. لم يدخلها كفنانٍ يبحث عن لقب، بل كصاحب رسالة يدرك أن الفن لا يقوم إلا بأهله، وأن الحفاظ على قيمته لا يقلّ أهمية عن تقديمه.
في تلك المرحلة، لم تكن قراراته دائمًا سهلة، ولم يكن طريقه خاليًا من الجدل، لكنه اختار أن يقف حيث يجب أن يقف، محافظًا على ما تبقّى من هيبة المهنة، وساعيًا إلى أن تبقى الأغنية جديرةً بأن تُسمع، لا مجرد مادةٍ تُستهلك. لم يُرضِ الجميع، لكنه أرضى ضميره، وذلك في حد ذاته موقفٌ لا يُستهان به.
لا أكتب بدافع الحكاية عن تجربةٍ شخصية، ولا أستند إلى موقفٍ عابرٍ أو لقاءٍ عَرَضيٍّ ، بل أكتب عمّا أصبح واضحًا كالشمس، لا يحتاج إلى إثبات ويقين… أكتب عن إنسانٍ شهد له القريب قبل البعيدوأجمع عليه كل من تعامل معه إلى حدٍّ كبير دون ترتيبٍ مسبق، من أهله الذين عرفوا بساطته عن قرب، إلى أصدقائه الذين لمسوا صدقه في التفاصيل، إلى زملائه من الفنانين الذين رأوا فيه قيمةً قبل أن يروا فيه صوتًا، وصولًا إلى ذلك الجمهور السَّمِيع ، الذي لا يُخدع بالضجيج، ولا يمنح محبته إلا لما يليق… فكان هو، بالنسبة لهم جميعًا، صورةً للفن حين يقترن بالأخلاق، وصوتًا حين يُشبه صاحبه.
ولم يكن حضوره مقتصرًا على حدود المسارح المحلية، بل امتدّ ليكون واجهةً مشرّفة لمصر في حفلاته عبر الوطن العربي، يحمل اسمه كما يحمل فنه… بوقارٍ يليق بتاريخٍ عريق، وبأداءٍ يعكس صورة الفن المصري في أبهى تجلّياته. كان صوته هناك لا يمثّل نفسه فحسب، بل يُمثّل ذاكرة بلدٍ كامل، ويعيد تقديمها ب
