عيد الأم… احتفالًا بالعطاء المتجدد

بقلم رباب حافظ
مدير برنامج دراسات المرأة بمركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية
“الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها… أعدت شعباً طيب الأعراق” بهذه الكلمات البسيطة عبر الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدة العلم والأخلاق عن أهمية ومحورية دور الأم في المجتمع، والحياة البشرية، ولذا يُحتفل بالأم في كافة دول العالم خلال تواريخ مختلفة وعبر أساليب متنوعة، تقديرًا لمكانة الأم. ولا شك في أن التقاليد الثقافية والتاريخية والدينية الخاصة بكل دولة تنوعت واختلفت خلال الاحتفال بهذه المناسبة، فعلى سبيل المثال تحتفل بريطانيا بعيد الأم في الـ 30 من مارس تبعًا لتقويم ديني، بينما تحتفل الأرجنتين بعيد الأم في 19 أكتوبر بسبب ارتباطه بموسم الربيع، وفي 12 أغسطس يتزامن عيد الأم في تايلاند مع عيد ميلاد الملكة الأم “الملكة سيريكيت”؛ وتحتفل الولايات المتحدة وعديد من الدول الغربية مثل كندا وأستراليا وألمانيا بعيد الأم في الأحد الثاني من شهر مايو.
بينما يحتفل المصريون بعيد الأم في 21 مارس من كل عام، وهو التقليد الذي بدأ عام 1956 بمبادرة من الصحفي علي أمين، مؤسس جريدة “أخبار اليوم”. ويرتبط اختيار 21 مارس ببداية فصل الربيع، حيث يتشابه التجدد والنماء في هذا الفصل مع دور الأمهات وعطائهن المستمر والمتجدد في رعاية الأجيال وتنمية المجتمع، وعلى الرغم من أن بعض الدول العربية تتبع التقليد الغربي وتحتفل به في مايو، إلا أن 21 مارس يظل التاريخ الأكثر انتشارًا.
وفي خضمّ تحديات الحياة المتسارعة، تلعب الأم دورًا محوريًا في بناء الأسرة والمجتمع، فهي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها التربية والتنشئة، حيث تغرس في أبنائها القيم والأخلاق وتساعد في تشكيل شخصياتهم منذ الصغر، ولا يقتصر دورها على الرعاية العاطفية، بل يمتد إلى التعليم، والتوجيه، والدعم النفسي، مما يسهم في إعداد أفراد قادرين على مواجهة تحديات الحياة والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم. وعلى المستوى الأوسع، تساهم الأمهات العاملات في الاقتصاد والتنمية الاجتماعية، سواء من خلال العمل أو الأنشطة التطوعية.
في هذا السياق، تولي مصر اهتمامًا كبيرًا بحماية الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، وتسعى جاهدة لمواجهة العوامل التي قد تؤدي إلى تفككها من خلال تشريعات متطورة، وبرامج توعية مجتمعية، ودعم الاستقرار الأسري. وانطلاقًا من الدور المحوري للمرأة في بناء الأسرة وتنشئة الأجيال، بذلت الدولة جهودًا كبيرة لتعزيز حقوق المرأة عبر إصدار تشريعات داعمة وإطلاق مبادرات تمكينية، تضمن لها التوازن بين دورها الأسري والمهني.
ففي ظل التطورات الاقتصادية والاجتماعية، عملت مصر على تحديث سياسات دعم المرأة العاملة، من خلال توفير بيئة عمل مرنة تُراعي احتياجات الأمهات. ومن بين أبرز التعديلات التشريعية الأخيرة، شهدت مصر نقاشات موسعة حول تمديد اجازة الوضع، مما أدى إلى تعديل قانون العمل الجديد، بحيث تساوت المرأة العاملة في القطاع الخاص مع نظيرتها في الجهاز الإداري للدولة، وتم زيادة مدة اجازة الوضع إلى أربعة أشهر بدلًا من ثلاثة أشهر، مع زيادة عدد مرات الاستفادة منها إلى ثلاثة مرات خلال فترة العمل بدلًا من مرتين فقط، مما يعكس حرص الدولة على تحقيق توازن أكبر بين الحياة الأسرية والمهنية.
ولا شك في أن الحديث عن جهود الدولة المصرية لدعم المرأة بصورة عامة والأم بصورة خاصة لن تنتهي ولن تكفيها هذه المقالة، إذ يمكننا الاشاره هنا إلى المبادرات التي اطلقتها الدولة المصرية في سبيل تعزيز مكانة المرأة والأم منها مبادرات صحية مثل مبادرة الكشف المبكر عن سرطان الثدي للسيدات، ومبادرات اجتماعية مثل برنامج تكافل وكرامة الذي يستهدف حماية الأم المصرية.
وختامًا يمكنني القول أن عيد الأم ليس مجرد احتفال سنوي، إنما هو فرصة حقيقية للوقوف على المكتسبات والإنجازات التي حققتها المرأة بصور عامة والأم بصور خاصة ومن ثم السعي نحو تعزيز مكانتها وتلبية طموحها، كما أن الاحتفال بعيد الام يعد تذكير مستمر بالدور الجوهري الذي تلعبه الأمهات في بناء المجتمعات. فالأم ليست فقط مربية الأجيال، بل هي مصدر الاستقرار والقوة في كل أسرة، ودعمها وتمكينها يعني الاستثمار في مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. وتظل مكانة الأم ثابتة ومحورية، مما يجعل الاحتفاء بها أمرًا ضروريًا يعكس قيم التقدير والاحترام والعرفان لدورها العظيم.

Related posts

Leave a Comment