حوار/ وئام أحمد إمام
في ظل تزايد وقائع الاعتداء الجنسي داخل المدارس، يتصاعد القلق بين الأهالي الذين يبحثون عن إجابة واضحة لسؤال مؤلم:
لماذا يصمت الأطفال؟
هذا الصمت ليس ضعفًا ولا خجلًا، بل نتيجة لغياب الوعي، ولأن الطفل لا يملك القدرة على فهم ما جرى أو وصفه.
ومن هنا تأتي أهمية التوعية المبكرة، وتعليم الأطفال حدود أجسادهم، وبناء علاقة أمان حقيقية تجعل الطفل يلجأ لوالديه لحظة شعوره بالخطر.
وفي هذا الحوار، نناقش مع الدكتور محمد حسين، الاستشاري التربوي وأخصائي تعديل السلوك للأطفال والمراهقين بمؤسسة رشدا التربوية، أخطر جوانب هذا الملف والعلامات التي تكشف الاعتداء وكيف يمكن حماية الأطفال قبل وقوع الأذى.
ـ دكتور محمد، ماهي أسباب صمت بعض الأطفال عند تعرضهم لاعتداء جنسي داخل المدرسة؟
الأطفال لا يصمتون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لا يعرفون أن ما حدث يُعدّ اعتداء، فأغلبهم لم يحصل على توعية صحيحة تحميهم، وعند لحظة الخطر يتجمّد الجسد ويفقد الطفل القدرة على التفكير أو الاستجابة بل يشعر بالارتباك ويجهل كيفية التصرف أو طلب المساعدة.
ـ هل عادة يكون المعتدي شخصًا قريبًا من الطفل داخل المدرسة؟
غالبًا نعم. قد يكون المعتدي معلمًا أو مشرفًا أو إداريًا أو سائقًا.
الطفل بطبيعته يثق بالكبار ويعتبرهم مصدر أمان، وهذا ما يستغله المعتدي.
ولأن الحدث أكبر من قدرة الطفل العقلية، فإنه يصمت خوفًا من اللوم أو التكذيب.
ـ هل ينسى الطفل ما حدث بالفعل؟
بعض الأطفال يلجؤون إلى “المحو النفسي” حيث يتخلص العقل من جزء من التجربة لحمايتهم من الألم؛
وآخرون يبتكرون تفسيرات مختلفة للأحداث
لكن مهما حدث… فإن السلوك يكشف الحقيقة دائمًا.
ـ ما أهم العلامات التي يجب أن تثير شك الوالدان؟
هناك إشارات خطيرة يجب الانتباه لها بل أن كل واحدة من هذه العلامات هي بمثابة جرس إنذار قوي نذكر منها:
العزلة أو الرغبة في الجلوس منفردًا.
السلوك العدواني المفاجئ.
الخوف من الذهاب للمدرسة.
النوم المتقطع أو الكوابيس.
التبول اللاإرادي.
ملامسة الجسد بطريقة غير مألوفة.
تقليد سلوكيات جنسية غير مناسبة للعمر.
ـ ما أهم القواعد الذهبية التي يجب تعليمها للطفل لحمايته؟
هناك ثلاثة قواعد أساسية:
١/ مناطق العورة مقدسة فلا يجوز لأي شخص رؤيتها أو لمسها مهما كانت درجة القرابة.
٢/ “جسدي ملكي” يجب علينا تعليم الطفل الرفض إذا شعر بعدم ارتياح، وأن يخبر شخصًا بالغًا يثق به
٣/ التواصل اليومي الحقيقي، فلا يكفي سؤال الطفل: كيف كان يومك؟
بل يجب السؤال عن الأشخاص الذين تعامل معهم وتحركاته، وهل ضايقه أحد أو لمسه.
ـ هل التدريب على المواقف الواقعية مفيد للأطفال؟
بالتأكيد…
يجب تدريب الطفل على كيفية التصرف إذا
حاول شخص الانفراد به، أو لمس جزء من جسده، وإذا طلب منه أحد الاحتفاظ بسرّ.
ويجب أن يتعلم الطفل هذه الجملة بل يرددها دائمًا “إذا لمسني أحد… سأخبر ماما فورًا”.
ـ ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها الوالدان وتؤثر سلبًا على الطفل؟
أخطرها التخويف، أو جعل الطفل يشعر بأن الكلام ممنوع، مثل: “اوعى تقول لحد” تقتل الأمان الداخلي لديه، لأن الطفل الذي يشعر بالأمان لن يكون ضحية سهلة لأي معتدٍ.
ـ حدثنا عن دور مؤسسة رشدا في هذا المجال؟
في مؤسسة رشدا للاستشارات النفسية والتربوية نعمل على تمكين الأطفال لا تلقينهم،
بل نمنحهم الصلابة النفسية والقدرة على التعبير عن مشاعرهم وحدودهم والفهم الصحيح لأجسادهم، والتمييز بين الصح والخطأ، والتعامل مع مواقف حقيقية بقرارات صحيحة.
هدفنا أن لا يكون الطفل هدفًا للمعتدي، وأن يمتلك القدرة على حماية نفسه بنفسه.
ـ ما هي رسالتكم الأخيرة للأم والأب والمجتمع؟
حماية أطفالكم ليست رفاهية ولا أمرًا يحدث دون قصد، بل إنها قرار بأن تستمعوا إليهم، وتفهموا عقولهم وتقوّوا داخلهم الإحساس بالأمان.
فكل طفل يستحق أن يشعر بالحماية…
ونسأل الله أن يحفظ أبناءنا جميعًا من كل سوء.
وبعد هذا الحوار، نعود لنؤكد أن حماية أطفالنا ليست مهمة لحظية، بل بناء طويل يبدأ بالوعي والثقة والتواصل.
الطفل الذي يعرف حدوده، ويثق بوالديه، ويتلقى تدريبات واقعية، يمتلك درعًا نفسيًا يحميه من أي خطر.
ولعل أهم ما نستخلصه من حديث الدكتور محمد حسين، أن الطفل الذي لديه أمان نفسي… لا يكون فريسة سهلة أبدًا.
حفظ الله أبناءنا جميعًا، وجعل وعينا سلاحًا يحميهم من كل أذى.

