المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
قد صمتُّ اثنتي عشرة سنة بعد أحداث الثلاثين من يونيو، على أمل أن ينهض من يوثّق ما جرى من شهاداتٍ ووقائع، أو يكتب التاريخ كما كان، لا كما يُراد له أن يُروى. غير أن الزمن مضى، والشهود يتساقطون واحدًا تلو الآخر، فخشيت أن تضيع الشهادة، وأن يُترك الباب مفتوحًا أمام من يزوّرون الوعي ويعيدون كتابة الوقائع على أهوائهم.
ما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن نظام، ولا تبريرًا لسلطة، ولا انتصارًا لشخص، بل صرخة ضميرٍ لشاهدٍ خدم الوطن في أحلك الظروف، وشهادة أضعها أمام التاريخ، حتى أقابل ربي وليس في صدري ما أخفيه أو ما أخشاه.
دعوني أقولها بوضوح: قد لا يكون في هذا المقال ما يخفى على قيادةٍ واعيةٍ بأبعاد هذا المخطط، لكن تدوين الحقيقة واجب، لأن الأوطان لا تُصان بالصمت، ولا تُخلَّد بالنسيان، بل بالوعي والصدق، وبأن تُقال الكلمة في وقتها.
ولعل أكثر ما استوقفني هو هذا الصمت العام الذي أحاط بمن شاركوا في إنقاذ الوطن، وكأن شهاداتهم تُطوى عمدًا، أو تُؤجَّل لحسابات سياسية أو إعلامية لا نعلمها. وما يزيد هذا الصمت دلالة أن محاولاتٍ متدرجة بدأت مبكرًا لإعادة تشكيل الصورة الذهنية لرموز تلك اللحظة، لا عبر مواجهةٍ صريحة، بل من خلال وقائع جرى اقتطاعها من سياقها الطبيعي، لا بحثًا عن حقيقة، بل كاختبارٍ أوليٍّ لمدى قابلية الرمز للكسر المعنوي، تمهيدًا للانتقال إلى مراحل أوسع في استهداف رموز لحظة الإنقاذ نفسها.
وهي محاولات لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة أو أخطاء عارضة، بل كحلقاتٍ أولى في سلسلة معروفة، تبدأ بتفكيك الرمزية، ثم التشكيك، ثم الإيحاء، حتى يتحول الرمز من شاهدٍ على إنقاذ الوطن إلى مادةٍ لسرديات مبتورة تُوظَّف على غير حقيقتها، تمهيدًا لإفراغ اللحظة ذاتها من معناها، وترك الساحة خالية أمام من اعتادوا اغتيال المعنى حين تعجزهم مواجهة الحقيقة.
ولهذا أكتب لأوثّق، حتى لا يُزوَّر التاريخ للمرة الخامسة، فالوطن الذي أُنقذ بالدم يستحق أن تُروى قصته كما حدثت، لا كما يُراد لها أن تُكتب.
وإذا أردنا أن نكتب التاريخ كما وقع فعلًا، لا كما يُعاد إنتاجه لاحقًا، فعلينا أن ننظر إلى النمط لا الحدث، وأن نتأمل المسار لا اللحظة.
ففي الحقبة الملكية، تصدّى إبراهيم باشا عبد الهادي لجماعة الإخوان المسلمين بعد انكشاف تنظيمهم الخاص وجرائم الاغتيال عام 1948، فأُودعت قيادات الجماعة السجون، وحُميت الدولة من كيانٍ سريٍّ يهدد وجودها.
ثم جاءت الحقبة الجمهورية الأولى، فحُلّت الأحزاب السياسية جميعًا، وعاد الإخوان إلى الشارع، بينما دخل السجون من تصدّى لهم بالأمس: إبراهيم عبد الهادي ورجالات الدولة الملكية. وهنا بدأت أولى حلقات قلب المواقع.
ثم جاءت مرحلة جمال عبد الناصر، فتصدّت الدولة للجماعة بعد أحداث 1954 ثم 1965، وصدر قرار حلها للمرة الثانية، ودخل قادتها السجون، بينما خرج من المشهد من واجههم سابقًا، لتُعاد المعادلة من جديد ولكن بأسماء مختلفة.
ثم جاءت مرحلة أنور السادات، فأُفرج عن الإخوان، ودخل السجون من تصدّى لهم من رجالات عبد الناصر، قبل أن تنتهي هذه الجولة باغتيال السادات نفسه في وضح النهار.
وبعد الاغتيال، تصدّت الشرطة المصرية والأمن المصري لموجات الإرهاب التي ضربت البلاد، ودافعت عن الدولة في أصعب لحظاتها، فكان الجزاء أن أُحيل خمسة وأربعون ضابطًا من خيرة ضباط مصر إلى المحاكمة بتهم التعذيب، قبل أن يُبرّئهم القضاء لاحقًا، بينما ظل التشويه سيفًا مرفوعًا فوق رؤوسهم لسنوات.
ثم جاءت مرحلة الرئيس محمد حسني مبارك، فُتح المجال أمام الإخوان لدخول البرلمان والنقابات، وترسّخت سياسة التعايش مع الجماعة، وتبلغ المفارقة ذروتها مع هروب محمد مرسي وقيادات جماعة الإخوان من السجون، رغم اتهامهم على ذمّة قضايا التخابر (وهي القضايا ذاتها التي أُلقي القبض عليهم على خلفيتها عقب الثلاثين من يونيو، وجرى التحقيق معهم فيها، وأُحيلوا بسببها إلى المحاكمة)، في الوقت الذي انتهى فيه الأمر بدخول الرئيس نفسه ورموز الدولة الأمنية، وفي مقدمتهم اللواء حبيب العادلي واللواء حسن عبد الرحمن، إلى قفص الاتهام، قبل أن يُبرّئهم القضاء كذلك من جميع التهم المنسوبة إليهم.
وهكذا، منذ عام 1948 وحتى اليوم، لم تكن القصة تبدّل أنظمة، بل مسارًا متكررًا لقلب الحقائق وتبادل الأدوار، يُفرج فيه عن الجماعة، ويُعاقَب من تصدّى لها، ثم يُعاد تدوير المشهد حتى يصبح الجاني ضحية، والمدافع عن الدولة متهمًا.
هكذا يُكتب تاريخ مصر منذ عام 1948 وحتى اليوم: شيطنةُ الأنظمة، وتشويهُ الرموز، ومعاقبةُ كل من تصدّى لجماعة الإخوان