بقلم: نسرين يسري
ليست كل المعارك تُرى بالعين.
بعضها يُخاض في صمت… خلف أبوابٍ بيضاء، وتحت أضواءٍ باردة، وعلى سريرٍ يُفترض أنه طريق النجاة.
هناك، داخل غرف العمليات، تبدأ حكايات لا يسمعها أحد.
هكذا بدأت رحلة المخرجة والسيناريست نهى السلاموني منذ عام 2021.
رحلة لم تبدأ بعملٍ فني جديد، بل بنزيفٍ حاد ظنّته عارضًا صحيًا بسيطًا… قبل أن يتحول إلى سنوات من الألم، وجسدٍ يرهقه المشرط أكثر مما يرهقه المرض.
.
خضعت لجراحة عاجلة على يد الدكتور م س استئصال الرحم وخلال العملية تم اكتشاف أورام متعدده ، قيل إنها وصلت إلى 49 ورمًا في الرحم. لحظتها ظنت أن الجراحة ستكون النهاية… لكنها كانت البداية فقط.
استمر النزيف تسعة أشهر كاملة بعد العملية.
تسعة أشهر من القلق والترقب والضعف، كأن الجسد يرفض التعافي
لاحقًا، تابعت العلاج مع الدكتورة أ م ، وخضعت لعامٍ ونصف من الحقن والإجراءات المتكررة، مع وعودٍ بالتحسن لم تتحقق، حتى طُلب منها إجراء عملية جديدة في عام 2023.
لكن المفاجآت لم تتوقف.
عند مراجعة الدكتور عبد الرحمن، طلب إجراء رنين مغناطيسي على البطن، لتظهر الحقيقة الصادمة: ورم كبير يستدعي جراحة جديدة. أُجريت العملية، وبعد شهور قليلة ظهرت أورام أخرى، وكأن شيئًا لم يُستأصل من جذوره.
وكأن الجسد لم يعد يحتمل المزيد…
في أكتوبر، ظهر ورم متحوّر في الغدة الدرقية بالرقبة، لتخوض جراحة جديدة.
وخلال سفرها إلى جدة، تعرضت لوعكة مفاجئة، وشُخّصت حالتها حينها على أنها حصوة بالكلى. تحسنت مؤقتًا، قبل أن تتدهور حالتها مرة أخرى، ويحدث انقطاع في التبول وإجهاد شديد في الأمعاء.
في مستشفى ببورسعيد، كشفت الفحوصات عن مضاعفات جديدة:
تضخم في عنق الرحم والمبيض، مع ضغط على الحالب استدعى تركيب دعامات طبية.
سنوات من الدخول والخروج من غرف العمليات…
سنوات بين الأمل والخوف…
سنوات أصبح فيها العلاج نفسه اختبارًا قاسيًا للصبر.
لكن حكاية نهى ليست حالة فردية فقط.
إنها مرآة يخشى كل مريض أن يرى نفسه فيها
إنها قصة كل مريض يدخل المستشفى وهو يسلّم جسده للأطباء بثقة كاملة.
في تلك اللحظة، لا يكون الإنسان سوى قلب خائف يقول في صمت:
“أنقذوني.”
فكيف يتحول العلاج إلى معاناة؟
وكيف يصبح المشرط – الذي خُلق لينقذ – سببًا لندوب جديدة؟
الأخطاء الطبية، حتى وإن كانت غير مقصودة، تترك أثرًا لا يُمحى. فالمريض ليس رقمًا في ملف، ولا حالة عابرة في جدول عمليات، بل روح وأسرة وأحلام مؤجلة. خطأ واحد قد يسلبه سنوات من حياته، ويحوّل أيامه إلى مواعيد ألم لا تنتهي.
وسط هذه الدوامة، جاء بصيص الأمل أخيرًا.
العملية الأخيرة مع الدكتور ياسر الشهاوي – استشاري النساء والتوليد كانت نقطة التحول، حيث تم التعامل مع حالتها بدقة واحترافية، لتبدأ أخيرًا مرحلة التعافي الحقيقي.
ومن القلب، تتوجه نهى بالشكر والتقدير إلى:
الدكتور ياسر الشهاوي، على إجراء عملية استئصال عنق الرحم والمبيض والأورام بكل دقة ومهنية.
وجزيل الشكر والتقدير للدكتورة ولاء جلهوم، والدكتورة فيرونيا، وميس رشا سالم، على دعمهن الصادق، وجهودهن المخلصة، ولمساتهن الإنسانية التي صنعت فارقًا حقيقيًا وأضاءت طريق الأمل.
الأستاذ محمد حامد، مدير مستشفى السلام للتأمين الصحي ببورسعيد، على دعمه ورعايته الكريمة.
الإعلامي الدكتور محمد شردي، بقناة الحياة، لمساندته واهتمامه الدائم.
وشكر خاص لندى النوبي ومجدي كشك، على جهودهما ودعمهما المميز.
ويبقى الدعاء قبل كل شيء:
اللهم يا شافي، يا كافي، اشفِ نهى شفاءً لا يغادر سقماً، وامسح عنها كل ألم، وبدّل تعبها قوة، ووجعها عافية، وخوفها طمأنينة. اللهم اجعل كل ما مرت به رفعةً لها، وردّها إلى حياتها سالمة معافاة بين أهلها وأحبابها.
إن ضمان سلامة المرضى ومحاسبة المقصرين ضرورة إنسانية قبل أن تكون قانونية. فالثقة بين الطبيب والمريض هي أساس المهنة، وإذا انكسرت لا يلتئم كسرها بسهولة.
تبقى نهى اليوم تقاوم بصبر، وتبقى قصتها جرس إنذار:
الطب رسالة رحمة أولًا،
والمشرط أداة إنقاذ،
والمريض إنسان… يستحق أن يعود إلى حياته سالمًا، مبتسمًا، ومعافى.

