شيئًا ما انكسر .. ربما قلمي بقلم .. نسرين يسري

شيئًا ما انكسر .. ربما قلمي
بقلم .. نسرين يسري

أحيانًا، لا يأتي الانكسار فجأة لا يأتي كصرخة أو دمعة كبيرة، ولا كحدث واضح يمكن الإشارة إليه.
يأتي بهدوء… بطريقة غريبة، يختبئ بين اللحظات اليومية، يتسلل ، حتى تكتشف فجأة أنك لم تعد كما كنت.
أجلس أمام الورقة، أحتضن القلم بين أصابعي.
أنظر إليه طويلًا، وكأن النظر وحده يمكن أن يعيده لي، يمكن أن يعيد الحروف لتخرج كما كانت دائمًا.
لكن شيئًا داخلي لم يعد كما قبل…
شيئًا ما انكسر.
ليس القلم وحده، بل ربما قلبي أيضًا.
لطالما كانت الكتابة ملجأي.
حين يضيق صدري، كنت أكتب.
حين يغمرني الحزن، كنت أفرغ كل شيء على الورق.
حين تختلط مشاعري بين فرح وحزن، كنت أجد نفسي بين السطور.
كانت الكتابة طريق النجاة، وطريقي لفهم نفسي، وطريقي لشفاء قلبي.
أما الآن… فكل شيء يهرب مني.
أحاول أن أكتب، وأجد الحروف تختفي من بين أصابعي قبل أن ألمسها.
كل فكرة تتبدد، كل شعور يمرّ كأنه شبح.
شعور غريب… فراغ ثقيل يملأ كل شيء… شرخ داخلي ينمو بهدوء، بلا صوت، بلا دموع، بلا صراخ.
شرخ يشبه ذاك الانكسار الذي يحدث في قلبك، لكنه لا يُرى، ولا يسمعه أحد.
أحيانًا أشعر أنني أتحرك في هذا العالم كجسدٍ بلا روح.
أضحك أحيانًا، أتكلم، أؤدي كل واجباتي، أبدو قوية، متماسكة، مسؤولة،
وما زلت… في الداخل، متعبة، ثقيلة، مشوشة.
تعب لا أستطيع تفسيره، ولا أستطيع تحديد مصدره.
القلم… لم يعد مرآتي كما كان.
الحروف… لم تعد صديقتي كما قبل.
الأفكار… تهرب مني قبل أن أستطيع الإمساك بها.
والدموع… أحيانًا لا تسقط، وكأنها أيضًا فقدت القدرة على التعبير.
وهنا يكمن الشرخ الصامت.
شرخ ينمو بهدوء، جزء مني لكنه ليس مرئيًا.
أحيانًا أستيقظ لأجد أن كل شيء بدا طبيعيًا حولي،
وأنا… شعوري الداخلي متغير تمامًا، غريب، ثِقله يكاد يخنقني، لكنه بلا شكل.
أحيانًا، أشعر بالضياع.
كأن شيئًا من ذاتي مفقود.
كأنني أعيش مع نفسي، لكنني لا أفهم نفسي تمامًا.
أحتاج أن أكتب لأفهم، لأعيد ترتيب كل ما بدا مشتتًا، لكن… القلم لا يتحرك.
والورقة صامتة، صامتة مثلي.
كنت أعيش بين الكلمات والصفحات، أفرغ فيها كل ما يثقل صدري.
أما الآن، أعيش بين الصمت والفراغ، بين الحروف التي لم تُكتب، وبين الحكايات التي لم تُروى.
كل شعور داخلي، كل ألم صامت، كل فرحٍ صغير، أصبح مختبئًا، مخفيًا عن العالم، مخفيًا حتى عن نفسي أحيانًا.
أحيانًا أشعر أن كل شيء بداخلي أكثر هشاشة من قبل.
أصبح قلبي أكثر حذرًا، أكثر خوفًا، وأكثر تحفظًا.
أتقن الصمت، ليس من ضعف، بل من إرهاق الروح… إرهاق من محاولة شرح ما لا يُفهم،
من محاولة حمل العالم والابتسام، بينما شيء داخلي يتداعى ببطء.
هناك أيام أشعر فيها أن الكتابة مجرد حلم بعيد.
أجلس أمام الورقة، القلم بين يدي… أتنفس، أحاول، أكتب كلمة، تختفي، أكتب جملة، تهرب.
أجلس ساعة، ساعتين، وربما أكثر…
وأشعر أن الفراغ قد استولى علي بالكامل.
لكن رغم كل شيء… أعلم شيئًا واحدًا.
القلم لم ينكسر حقًا،
القلب لم يمت…
إنهما فقط في استراحة، يلتقطان أنفاسهما.
أمارس حياتي بشكل طبيعي جدًا.
أستيقظ، أعمل، أتكلم، أبتسم، أطمئن من حولي أن كل شيء على ما يرام.
أبدو قوية… متماسكة… مسؤولة.
لكن الحقيقة مختلفة.
في داخلي شيء مثقل.
كأن روحي تحمل أحمال سنوات،
كلمات مرّت كالسكاكين،
مواقف تظاهرت أنني تجاوزتها،
وأشياء كثيرة قلت عنها: “لا بأس”
بينما كانت تترك أثرها العميق في قلبي.
لم أصرخ.
لم أشتكي.
اخترت الصمت.
وروحي تبحث عن طريقة للعودة، لتجد طريقها إلى الحروف والكلمات من جديد.
الشرخ الصامت الذي أعيشه ليس نهاية.
ليس انهيارًا، بل مساحة للتأمل، للانتظار، للنمو.
فراغ مؤلم، لكنه يحمل بداخله فرصة للعودة بقوة أكبر، بصدق أكبر، بفهم أعظم لما يحدث داخلنا.
القلوب التي تمرّ بهذا الصمت، بالألم الداخلي، بالشرخ الصامت…
ليست ضعيفة.
إنها تنتظر وقتها لتتجدد،
لتعود الكلمات، والحبر، والقلم،
لتعود الحياة من جديد، بعد طول صمت، بعد طول انتظار.
في هذا الفراغ، أتعلم أن أكون صامتة مع نفسي،
أتعلم أن أراقب الأفكار دون ضغط،
أتعلم أن أحتمل، أن أبتسم بصعوبة، أن أحب بحذر…
لكن مع ذلك، أستمر.
فحتى في الانكسار، هناك دروس.
حتى في الفراغ، هناك أمل.
حتى في الصمت، هناك قوة.
القلم سيكتب مرة أخرى…
والكلمات ستعود…
ولكن هل روحي ستجد نفسها بين السطور، كما كانت دائمًا،
أقوى، أعمق، وأكثر صدقًا .

Related posts

Leave a Comment