الكاتب الكبيرابراهيم مراديكتب في/ الدولة الدينية والدولة العلمانية،

المتابعين الكرام اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه،،

السيدات والساده:

منذ قرنٍ كامل والعالم يتجادل بين الدولة الدينية والدولة العلمانية، بينما تمضي مصر في تجربة لا تنتمي تمامًا إلى أيٍّ منهما.

ليس هناك شئ بمعزل عن آخر.. كل شئ في الدنيا حلقات متصلة.. وهذا ربما يُفسر حالة التيه التي نحن فيها.. فنحن نقرأ السطر من آخره وننتزع الحكاية من سياقها.. ونبني أحكامنا على «اللحظة».. لذا يتم التلاعب بنا في فضاء العالم الافتراضي حيث ينتشر بيع تلك السلعة «ثقافة التيك أوي».

 ننفعل ونصرخ ونضحك ونبكي وربما نتقاتل فيقتل بعضنا البعض دون تبين وتثبت.. وننقل كل تلك التجربة بسوءاتها على كل المستويات.. بالأمس قال لي أحد الأصدقاء: «تركيا بتتصالح معانا، خافت نضربها.. وأمريكا خايفة تدخل حرب معانا».

 تبسمت وقلت له لا شك إن القوة العسكرية مهمة لكنها ليست كل شئ.. ولو أردت لعددت لك أممًا كانت لها جيوش جبارة سقطت.. إنما السر الأهم هي «الخلطة المصرية» الذي يحاول الغرب وتحاول أمريكا وتحاول تركيا الوصول إلى مكوناتها لمسخها ومحوها لكنهم كلما ظنوا أنهم استطاعوا فعل ذلك اكتشفوا غيهم وضلالهم.

حاصرونا في الحرب المعلوماتية وأمدونا بالزيف لخلق أمية معلوماتية.. حرَّفوا سطور التاريخ ودسوا ما أرادوا للقضاء على شعور الوطنية.. كلما أطفأنا نارًا للفتنة أشعلوها.. في لحظة من اللحظات تقول بكل ثقة لقد نجحوا في تشويه الشخصية المصرية.. ولكنك تتفاجأ بنفسك قبل غيرك حينما تجد «مصر» في خطر.. أهذا المصرى الذي كان يشكو فقرًا ووهنًا ويملأ الدنيا ضجيجًا بشكواه، فجأة ينزع عنه الخط الوريدي المحمل بالدماء وبدلًا من صراخه لأوجاعه يصرخ نصرة لبلاده.. لا تفسير منطقيًا لما يحدث سوى أنها جينات أو خلطة خاصة ربانية لمصر وشعبها.. حتى ما يجرى على البلدان والشعوب الأخرى لا يجرى بنفس الطريقة على شعبها.. فها أنت ترى تلك البلاد التي أُحْتِلت تنطق بلغة مُحتليها أما مصر فمُحتَلها هو الذي نطق بلغتها بل بلهجتها.

ليس هذا كل ما في الأمور لكن هناك أمور كثيرة وقعت عيني على إحداها أمس وأنا أقرأ مذكرات المفكر الكبير أحمد أمين، إذ أن إحدى الفقرات في كتابه دفعت فضولي للبحث وعقد مقارنة بين تجربة العلمانية في تركيا والعلمانية في مصر؟.. وتساءلت: يرى البعض أن تركيا علمانية والبعض يتخذها رمزًا دينيًا فهل هي علمانية أم دينية؟.

والأهم ما هو الوصف الذي ينطبق على مصر؟ أيمكن الجزم بأنها دولة دينية إذ أننا لا نستطيع أن نصفها بالدولة العلمانية؟!.. «كتالوج العلمانية» واحد كما طبقه مصطفى كمال أتاتورك وكما نقله «أحمد أمين» في مذكراته: «كان في تركيا أن ألغت وزارة الأوقاف، وجعلت تدبيرها لرئيس الأمور الدينية وهيئة علمية استشارية بجانبه، وألغت المحاكم الشرعية، ووحدت القضاء، وألغت المدارس الدينية ووحدت المدارس، وقد كانت المدارس الدينية كثيرة منتشرة متنوعة في البلاد، وكان بعضها يتبع وزارة الأوقاف وبعضها يتبع وزارة الشئون الشرعية فجعلتها كلها تابعة لوزارة المعارف، تعلم تعليمًا مدنيًا واحدًا، ومن شاء أن يعلم ابنه تعليمًا دينيًا فليتكفل بذلك على نفقته، وقصرت التعليم الديني على كلية اللاهوت التي تتبع الجامعة، وهذه هي التي تخرج رجال الدين. وألغت الطرق الصوفية وأغلقت الزوايا والتكايا، وحرمت الألقاب الصوفية من درويش ومريد وأستاذ وسيد وشلبي ونقيب، وحددت الزي الديني فلم تسمح به إلا لطائفة خاصة كرئيس الأمور الدينية»..

بعد سنة من إلغاء الخلافة على يد الكماليين، كانت هناك أصوات بإعادتها وبدأ الملوك العرب يطمحون في لقب الخليفة، فخرج في مصر كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، للشيخ «علي عبد الرازق»، والذي اعتبر أن الخلافة ليست «من الدين في شئ»، هوجم الرجل ووصفوه بأنه من الخوارج وصدرت العديد من الكٌتب ردًا عليه.

وكانت الخلاصة التاريخية التي نراها اليوم أن مصر وحدها تختار أيهما يصلح لها وأيهما لا يصلح، فلا هي سارت في فلك «جورج هوليوك» أول من صاغ مفهوم العلمانية و«أتاتورك»، ولا هي انساقت وراء الحالمين فى تركيا بإعادة الخلافة.. لا هي ألغت الطرق الصوفية.. ولا هي غيرت العربية إلى لاتينية.. لا هي أنكرت العمامة ولا هي شرعنت السفور.. لو طبقت مصر نموذجًا أيًا ما كان «بحذافيره» لما كانت أم الدنيا.. ففيها يستطيع أن يعيش الشئ ونقيضه دون اقتتال.. دون مذابح أو حرائق أو صلب أو حصار.. وهذا ما يجعل النموذج المصري أقرب إلى «التاريخ التراكمي» لا إلى «القطيعة الجذرية».

بقلمي//رئيس التحرير…

Related posts

Leave a Comment