المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
اليوم، لا يبدو الشباب منشغلين بغزو العالم أو تغييره، بقدر ما هم منشغلون بالنجاة منه. النجاة من صاروخ طائش، من عقوبات اقتصادية، من انقطاع كهرباء، من انهيار عملة، من خوفٍ يتسلل إلى البيوت مع نشرات الأخبار، من نوم في العراء. لم تعد البطولة في التقدم إلى الأمام، وإنما في الحفاظ على حياة عادية وسط استثنائية الرعب.
حين تتصاعد التوترات بين طهران والعدو الصهيوـأمريكي، وتتداخل الحسابات الإقليمية مع الاستراتيجيات الدولية، يصبح المواطن البسيط آخر من يُستشار وأول من يدفع الثمن. في جنوب لبنان، كما في مدن إيرانية، هناك عائلات لا تفكر في موازين الردع ولا في خرائط النفوذ، تفكر في سؤال واحد: هل سنستيقظ غدًا على يوم عادي؟
“ريمـارك” كتب عن جيلٍ خسر شبابه في الطين والدم. أما جيل اليوم، فيخسر طمأنينته على شاشات مضيئة، يرى الحرب مباشرة، لحظة بلحظة، كأنها تبث من نافذته. لم تعد المسافة الجغرافية كافية لتمنح الأمان؛ فكل تصعيد يحمل احتمال الاتساع، وكل خطأ في الحسابات قد يشعل ما لا يمكن إطفاؤه بسهولة.
المفارقة أن الخطابات الكبرى ما تزال تتحدث عن الهيبة والانتصار واستعادة الردع، بينما الشعوب تتحدث عن النجاة. هناك فجوة بين لغة السياسة ولغة الناس. السياسة تتعامل مع الأرقام: عدد الصواريخ، مدى الطائرات، حجم الخسائر. أما الناس فيتعاملون مع الوجوه: طفل يرتجف، أمّ تنتظر اتصالًا، شاب يؤجل حلمه مرة أخرى.
ليس في الأمر تبسيطٌ ساذج لتعقيدات المنطقة، فالصراعات هنا متشابكة الجذور، ممتدة في التاريخ والجغرافيا والعقائد. لكن وسط كل هذا، تبقى حقيقة إنسانية واحدة: الحرب، مهما كانت مبرراتها، تُسرّع شيخوخة الروح. تجعل الشباب يشعرون بأنهم أكبر من أعمارهم، كما قال ريمارك. تجعلهم يتخلون عن أوهام السيطرة، ويكتفون بأمنٍ زائف.
ربما أخطر ما في الحروب الدائرة حولنا أنها لا تكتفي بإعادة رسم الحدود، بل تعيد تشكيل الوعي. جيل ينشأ على صوت الانفجارات أو على وقع التهديد الدائم، يتعلم مبكرًا أن العالم ليس مساحة مفتوحة للأحلام، لكنه حقل ألغام. وحين يكبر، قد لا يسعى إلى تغيير العالم، بل إلى تفادي شروره.
في لحظة كهذه، تبدو عبارة ريمارك أكثر من جملة في رواية؛ تبدو مرآة. فكل جبهة اليوم، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، تطرح السؤال نفسه: هل نريد أن ننتصر، أم أن نعيش؟ هل نبحث عن مجدٍ عابر، أم عن استقرار طويل؟
ربما يكون النضج الجماعي الذي تحتاجه المنطقة هو الانتقال من منطق الغزو والرغبة في الهيمنة والسيطرة، إلى منطق النجاة المشتركة. لأن العالم، كما أثبت القرن الماضي، لا يُغزَى دون أن يردّ الضربة مضاعفة. أما النجاة، فهي الخيار المتواضع الذي يحفظ ما تبقى من الإنسان في عصرٍ تتكاثر فيه الجبهات، ولا يبقى فيه للشباب سوى أن يحلموا بشيء بسيط: أن يمرّ هذا الليل دون أن يبتلعهم.