الاعلاميه الكبيره سناء منصورتكتب/امريكا بين الانقسام الداخلي والتراجع الخارجي..

المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه،،

السيدات والساده:

منذ عودة دونالد ترامب إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي، عاد الجدل القديم المتجدد ليطرح نفسه بقوة: هل تمثل سياساته الاقتصادية والسياسية محاولة جادة لإعادة تشكيل الولايات المتحدة وتعزيز مكانتها، أم أنها عبء ثقيل يدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام الداخلي والتراجع الخارجي؟ هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح محورا لتحليل مرحلة كاملة من التحولات العميقة التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

قد تبدو الإجابة، للوهلة الأولى، واضحة لدى قطاع واسع من المراقبين، فالرجل الذي صعد إلى السلطة بخطاب حاد وشعارات مباشرة، وقدم نفسه كقائد حاسم لا يخشى اتخاذ قرارات صعبة، ترك خلفه إرثًا معقدًا من السياسات التي يصعب تقييمها بمعزل عن آثارها الممتدة، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى النظام الدولي.

على الصعيد الاقتصادي، اعتمد ترامب منذ البداية على خطاب شعبوي جذاب، يتمحور حول فكرة “أمريكا أولًا”، وهي عبارة تختزل رؤية تقوم على إعادة توجيه السياسات الاقتصادية لخدمة الداخل الأمريكي، وتقليل الاعتماد على الخارج. ورغم أن هذا الطرح لاقى قبولًا لدى قطاعات شعرت بالتهميش نتيجة العولمة، إلا أن تطبيقه العملي كشف عن تناقضات عميقة.

فالحروب التجارية التي خاضها، خصوصا مع الصين، لم تكن مجرد أدوات ضغط تفاوضي، بل تحولت إلى معارك اقتصادية واسعة النطاق، أعادت تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، صحيح أن هذه السياسات استهدفت تقليص العجز التجاري وحماية الصناعات المحلية، لكنها في المقابل رفعت تكاليف الإنتاج على الشركات الأمريكية، التي وجدت نفسها أمام رسوم جمركية متبادلة وبيئة تجارية غير مستقرة، ومع انتقال هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، ارتفعت الأسعار، ما أضعف القدرة الشرائية للأفراد، خاصة في الطبقات المتوسطة والدنيا.

ولم تقتصر التداعيات على الداخل فقط، بل امتدت إلى النظام الاقتصادي العالمي. فقد أدى النهج الحمائي إلى تآكل الثقة في الولايات المتحدة كشريك تجاري موثوق، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل، سواء عبر تعزيز التبادل التجاري الإقليمي أو توثيق العلاقات مع قوى صاعدة مثل الصين.

 وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: محاولة تقوية الاقتصاد الأمريكي عبر الانغلاق، ساهمت في تقليص نفوذه العالمي بدلًا من تعزيزه.

أما التخفيضات الضريبية، التي اعتبرت أحد أبرز إنجازات إدارة ترامب، فقد كشفت بدورها عن خلل في توزيع المكاسب، فقد استفادت الشركات الكبرى وأصحاب الدخول المرتفعة بشكل أكبر من هذه التخفيضات، في حين لم يلمس المواطن العادي تحسنا مستداما في مستوى معيشته، وعلى المدى الطويل، ساهمت هذه السياسات في زيادة العجز المالي وارتفاع الدين العام، ما يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الأمريكي في المستقبل.

وعلى المستوى السياسي، تبدو تأثيرات ما يمكن تسميته بـ“ظاهرة ترامب” أكثر عمقا وتعقيدا، فقد اعتمد على خطاب مباشر وصدامي، نجح في حشد قاعدة جماهيرية واسعة، لكنه في الوقت ذاته عمّق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي، فبدلًا من تعزيز الوحدة الوطنية، أصبح الاستقطاب هو السمة الغالبة، حيث انقسم الأمريكيون بين مؤيدين يرون فيه صوتا صريحا يعبر عنهم، ومعارضين يعتبرونه تهديدا للقيم والمؤسسات الديمقراطية.

هذا الانقسام لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل امتد ليشمل الثقة في المؤسسات والإعلام، ما يعكس تحولا أعمق في طبيعة النظام السياسي الأمريكي،وعندما تتآكل الثقة في القواعد الأساسية للعبة الديمقراطية، يصبح الاستقرار السياسي نفسه موضع تساؤل.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، اتسمت قرارات ترامب بنزعة أحادية وتقلب واضح، فقد انسحب من عدد من الاتفاقيات الدولية المهمة، مثل اتفاق باريس للمناخ، وأعاد النظر في تحالفات تقليدية استمرت لعقود. هذه السياسات لم تُضعف فقط صورة الولايات المتحدة كقائد عالمي، بل أثارت شكوكًا حول مدى التزامها بتعهداتها الدولية.

كما تبرز سياسته تجاه إيران كأحد أكثر الملفات تعبيرا عن هذا النهج، فقد تبنى ترامب سياسة “الضغط الأقصى”، من خلال الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، ورغم أن هذه السياسة استهدفت تقليص نفوذ إيران الإقليمي وإجبارها على تقديم تنازلات، فإن نتائجها جاءت معقدة.

فبدلا من احتواء التوتر، ساهمت هذه السياسة في تصعيد المواجهة في المنطقة، ورفعت من احتمالات الصدام المباشر، كما أدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع التهديدات المستمرة لممرات حيوية مثل مضيق هرمز،كما أن الضغوط الاقتصادية لم تُترجم إلى اختراق سياسي واضح، بل دفعت إيران إلى تبني مواقف أكثر تشددا، ما جعل الأزمة أكثر استعصاء على الحل.

وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على الاستقرار والتنسيق الدولي، فإن هذا التذبذب في إدارة الملفات الحساسة، ومنها الملف الإيراني، فتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ. الصين، على سبيل المثال، استفادت من هذا التراجع لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، في حين حاولت قوى أخرى إعادة ترتيب موازين القوى بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

الأكثر إثارة للقلق، ربما، هو أسلوب إدارة الأزمات، ففي العديد من الحالات، بدت القرارات أقرب إلى ردود فعل سريعة تستجيب لضغوط داخلية أو إعلامية، بدلا من أن تكون جزء من استراتيجية متكاملة طويلة الأمد. 

كما أن الطابع الشخصي في اتخاذ القرار، والاعتماد على الخطاب الشعبوي، وضع مؤسسات الدولة أمام تحدٍ غير مسبوق، فعندما تتحول السياسة إلى أداة للتعبئة الجماهيرية اللحظية، بدلا من كونها عملية مؤسسية قائمة على التوازن والتخطيط، تصبح النتائج أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ.

وفي النهاية، قد يرى البعض في دونالد ترامب زعيما قويا كسر القواعد التقليدية وواجه ما يعتبره “نخبة سياسية منفصلة عن الواقع”، لكن قراءة أعمق تكشف أن هذه القوة الظاهرية قد تكون وجها آخر لحالة من عدم الاستقرار، فبين وعود استعادة العظمة الأمريكية، وواقع يتسم بالانقسام الداخلي والتوترات الخارجية المتصاعدة، يبقى السؤال مفتوحا.

هل كانت هذه المرحلة مجرد استثناء عابر في التاريخ السياسي الأمريكي، أم أنها تعبير عن تحول أعمق في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة؟ أم أن ما نشهده هو بداية عصر جديد تدار فيه السياسة العالمية بمنطق الصدمات لا التوازنات؟

بقلمي/سناء منصور…..

Related posts

Leave a Comment