المجاذيب والدراويش: سُكارى بغير خمر.. وعُشّاق بلا قيود

كتب-محمود ابومسلم

​في زوايا الحسين، وأزقة السيدة زينب، وخلف جدران التكايا القديمة، يمرُّ أمامك رجلٌ رثُّ الثياب، هائمُ البصر، يتمتم بكلمات لا يفهمها إلا من “ذاق”. هذا هو المجذوب؛ ذاك الذي جذبه الحقُ إليه فغاب عن الخلق، وهذا هو الدرويش؛ الذي سلك درب الفقر الاختياري ليمتلئ بالغنى الروحي.
​ووفي فلسفة “الجذب”: حين يغلب القلبُ العقل
​المجذوب ليس فاقداً للوعي، بل هو شخصٌ “خُطف” قلبه بغتةً. في أدبيات التصوف، يُقال إن المجذوب هو من سبقت عناية الله إليه فاجتثته من عالم الأسباب إلى عالم المسبّب.
​الحب عندهم: ليس مشاعر متبادلة، بل هو فناء تام.
​الحال: قد تراه صامتاً كالحجر، أو صارخاً كريحٍ عاتية، لكنه في جوهره يعيش حالة من الدهشة الدائمة بجمال الملكوت
​الدرويش رحلة البحث عن “اللاشيء”
​كلمة “درويش” الفارسية تعني “عتبة الباب”، وهو تعبير بليغ عن التواضع. الدرويش هو المسافر الذي قرر أن يضع أحمال الدنيا خلف ظهره.
​”الدرويش ليس من لا يملك شيئاً، بل الدرويش هو من لا يملكه شيء.”
​في رقصة “المولوية” أو في “حلقات الذكر”، يتحول جسد الدرويش إلى خيطٍ يربط بين الأرض والسماء يدٌ ممتدة للأعلى لتلقي المدد، ويدٌ للأسفل لتوزيعه على الخلق. إنه الحب في أسمى صور العطاء والتجرد.
​في لغة الإشارة والرمز
​الحب في عالم الدراويش لا يُحكى باللسان، بل يُعاش بالحال. كلماتهم المبعثرة قد تحمل حكماً تقصم ظهر التكلف. هم يكسرون “الأنا” (الغرور البشري) حتى يصفو المرآة ليتجلى فيها نور المحبوب.
​خلاصة الوجد
​المجاذيب والدراويش هم أيقونات الزهد في عالمٍ ماديٍ متسارع إنهم يذكروننا بأن هناك نوعاً من الحب لا يحتاج إلى منطق، وأن “الجنون” في ذات الله هو منتهى العقل هم قومٌ غادروا الضجيج ليسكنوا في صمت الحقيقة، تاركين لنا رسالة واحدة
​”كلُّ ما لا يُبنى على الحب.. هباء.”

أنا الذي في حُبّكمْ قد جُنَّ إدراكي
فبعتُ نفسي.. وما في الكونِ أملاكي
طرقتُ بابَ الفَنا.. والوجدُ راحلتي
حتى رمانيَ وجدي.. في مـُصلاّكِ
​يا درويشَ الروحِ.. دُرْ بالذكرِ مُبتهلاً
واخلعْ نِعالَ الوعيِ.. فالأرضُ مَغنَاكِ
ما مَسّكَ الجهلُ.. بل نورٌ أضاءَ لنا
درباً رأيناهُ لـَيلاً.. وهوَ مَرآكِ

Related posts

Leave a Comment