كتب-محمود ابومسلم
إن الهدف الأسمى من أي نظام قضائي ليس مجرد إيقاع الألم بالجاني، بل تحقيق العدالة وحماية النسيج المجتمعي. إن المطالبة بوقف تنفيذ أحكام الإعدام لا تعني إفلات الجاني من العقاب، بل تعني استبدال “العقوبة النهائية” التي لا يمكن الرجوع عنها في حال ظهور أدلة جديدة، بعقوبات سالبة للحرية تتيح مساحة لمسارات بديلة مثل الصلح.
لماذا يجب تفعيل قانون الصلح؟
قانون الصلح في جرائم القتل العمد ليس ابتكاراً حديثاً، بل هو مبدأ متجذر في الشريعة الإسلامية والقوانين العرفية، وله فوائد جمة:
جبر ضرر أهل المجني عليه: الإعدام ينهي حياة الجاني، لكنه لا يعوض أسرة الضحية مادياً أو معنوياً. الصلح (أو الدية) يوفر دعماً مالياً قد تحتاجه الأسرة التي فقدت عائلها.
إيقاف مسلسل الثأر: في المجتمعات التي تسود فيها النزعات القبلية أو العائلية، يساهم الصلح الرسمي في إغلاق ملف الخصومة نهائياً، بينما قد يؤدي الإعدام أحياناً إلى تأجيج رغبات انتقامية مضادة.
الاستقرار الاجتماعي: تحويل العقوبة من إزهاق روح إلى “تراضي” بين الأطراف يساهم في نشر ثقافة التسامح ويعزز السلم الأهلي.
المعوقات والحاجة إلى إطار تشريعي
رغم وجود نصوص تتيح العفو في بعض القوانين، إلا أن تفعيلها كـ “مسار أصيل” يتطلب تعديلات تشريعية جريئة. إن تفعيل قانون الصلح يتطلب:
تحديد ضوابط صارمة: لضمان أن الصلح تم بإرادة حرة من أولياء الدم دون ضغط أو تهديد.
دور الوساطة الجنائية: إنشاء لجان متخصصة من رجال القانون وعلماء النفس والاجتماع للتوسط بين العائلات.
التمييز بين الجرائم: التفريق بين القتل العمد الناتج عن مشاجرة أو لحظة غضب، وبين الجرائم الإرهابية أو المتسلسلة التي تهدد أمن الدولة والمجتمع بشكل عام.
الخاتمة: نحو عدالة تصالحية
إن وقف تنفيذ أحكام الإعدام وتفعيل قانون الصلح يمثلان انتقالاً من “العدالة العقابية” إلى “العدالة التصالحية”. إنها دعوة لإعطاء الحياة فرصة ثانية، ليس فقط للجاني ليقضي بقية عمره في الندم والإصلاح خلف القضبان، بل للمجتمع ككل ليتجاوز آلامه من خلال التسامح المشروط بالعدل.
”إن العدالة التي تشفي القلوب وتبني المستقبل هي تلك التي تفتح باب التوبة والتعويض، بدلاً من إغلاق باب الحياة نهائياً.”
ملاحظة قانونية: يجب أن يراعي أي تشريع جديد في هذا الصدد عدم تحويل القتل إلى جريمة “يشتريها الأغنياء” بمالهم، بل يجب أن يظل الحق العام قائماً (عقوبة السجن) حتى في حال تنازل أولياء الدم عن الحق الخاص.
