آلاف الأسر في مهب الريح.. وأحكام السجن تطارد “عمار الأرض” بسبب تعنت إجراءات أراضي الري

كتب-محمود ابومسلم

​عندما نتحدث عن أراضي منافع الري والصرف، فنحن نتحدث عن شريان الحياة في القرى والنجوع. لكن هذا الشريان بات اليوم يضيق على رقاب مئات الأهالي الذين يواجهون أحكاماً قضائية واجبة التنفيذ، ليس لأنهم لصوص، بل لأنهم “عالقون” في ثغرات قانون التقنين التي لم تراعِ خصوصية هذه الأراضي.
​جذور الأزمة: لماذا استعصى “التقنين” في وزارة الري؟
​تعتبر أراضي الري من أصعب الملفات في تقنين الأوضاع، نظرًا لطبيعتها القانونية كـ “منافع عامة”. ومع ذلك، فإن الواقع يفرض نفسه؛ فهذه الأراضي مقامة عليها منازل مأهولة ومزارع منذ عشرات السنين وتتصاعد الأزمة لتتحول من مجرد “خلاف إداري” على أمتار من الأرض إلى قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي لآلاف الأسر نحن الآن أمام “مأساة إنسانية” مكتملة الأركان، حيث يطارد شبح السجن آلاف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها “مجرمين” بموجب أحكام قضائية باتة، والسبب: البحث عن تقنين وضع اليد على أراضي الري.
​زلزال الأحكام الباتة: حين يغيب “روح القانون”
​إن صدور أحكام قضائية باتة ونهائية بالسجن ضد آلاف الأهالي في قرى مصر بتهمة “التعدي على منافع الري” هو جرس إنذار يستوجب التدخل الفوري هؤلاء المواطنون ليسوا “مافيا أراضي”، بل هم فلاحون وسكان بسطاء ارتبطت حياتهم بهذه المجاري المائية منذ عقود.
​لماذا وصلنا إلى طريق الأحكام المسدودة؟
​فشل التنسيق الإداري: تقدم الآلاف بطلبات تقنين ودفعوا رسوم الفحص والمعاينة، لكن البطء في فحص الطلبات من قبل لجان وزارة الري جعلهم “صيداً سهلاً” للمحاضر والجنح التي استمرت في المسار القضائي وصولاً للحكم النهائي
​الأسعار “التعجيزية”: في كثير من المحافظات، تم وضع تقديرات مالية لمقابل الانتفاع تفوق القيمة السوقية للأرض نفسها، مما عجز معه المواطن عن السداد، فاعتبرته الدولة “ممتنعاً” وصدرت ضده الأحكام.
​عائق “المنافع العامة”: التمسك بكون الأراضي “منفعة عامة” يمنع قانوناً نقل الملكية، مما يجعل المواطن يدفع مقابل “إيجار” دائم دون أمان قانوني، وعند التعثر يكون المصير هو السجن.
​التبعات الكارثية: سجون ممتلئة.. وبيوت مهدمة
​خسارة القوة العاملة: عندما يُسجن آلاف ، فنحن نعطل قوة إنتاجية زراعية كبرى، ونحمل الدولة تكلفة إعالتهم داخل السجون بدلاً من تحصيل أموال التقنين منهم.
​الوصمة الاجتماعية: هؤلاء المواطنون هم ركيزة القرى؛ وتحولهم إلى “سجناء جنائيين” يدمر النسيج الاجتماعي ويخلق حالة من السخط واليأس ​ضياع حق الدولة السجن لن يرد الأرض ولن يجلب المال الحل المالي دائماً أجدى للخزانة العامة من الحل العقابي.
​مخرج الطوارئ: نداء إلى “صناع القرار”
​إننا أمام وضع استثنائي يتطلب قرارات سيادية عاجلة، لأن المسار القانوني التقليدي قد وصل إلى منتهاه بصدور الأحكام الباتة:
​أولاً: مبادرة عفو أو وقف تنفيذ: إصدار قرار بوقف تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية في قضايا أراضي الري لكل من يثبت جديته في التقنين وتقدم بطلب رسمي.
​ثانياً: “تصفير” القضايا بالتصالح: فتح باب التصالح الفوري أمام المحامي العام ووزارة العدل، بحيث يتم انقضاء الدعوى الجنائية بمجرد البدء في إجراءات السداد الجدي
​ثالثاً: لجان استماع ميدانية: نزول لجان من مجلس الوزراء ووزارة الري للقرى المتضررة لتقييم الوضع على الطبيعة، فما كان “منفعة عامة” في الأوراق قد يكون “كتلة سكنية مستقرة” على أرض الواقع تستوجب التقنين لا الهدم.
إن القوانين وُضعت لتنظيم حياة البشر لا لتدميرها وآلاف المواطنين الذين ينتظرون “البوكس” أمام منازلهم هم أبناء هذا الوطن الذين استصلحوا وبنوا في وقت غابت فيه الدولة العدل يقتضي أن نمنحهم صك الأمان :التقنين” بدلاً من صك العقاب “السجن” ارحموا عزيز قوم ذلّته الديون والمحاضر، وأغلقوا ملف “سجناء الري” بقرار شجاع يحمي القانون ويصون كرامة الإنسان.

Related posts

Leave a Comment