“يقولون عني عورة”
تركوني أرقص في حفل زفافي، لكن عندما جاءني المخاض طلبوا مني الذهاب إلى طبيبة امرأة، لا إلى رجل، لأن جسدي عورة!!
“يقولن عني أم”
بعد أشهر معدودات أنجبت طفلًا، وتركتُ على سرير الولادة نسختي الأولى، الآن بطني مترهلة جدًا، وفخذاي مخططان، هنا شقوقٌ باهتة كأنّ البرق ضربني من الداخل ثم ترك توقيعه البنفسجي الأبدي على جسدي من الخارج، أما ثدياي فلم يعودا ثديين، بل شاهدين منهكين على جوعٍ لا ينتهي، فضيفي الصغير لا يكفّ عن البكاء، آه وألف آه على الذي كان يومًا موضع رغبة، صار ملاذًا تنهشه شفاه الجوع كل بضع ساعات. يقولون هذه آثار الأمومة!! كأنهم يطلبون مني أن أعرّي ندبي، بل أرتديه بفخرٍ، (المهم أن الطفل بخير)!
هكذا يقولون!!!
مؤكد أنهم على حق، وأن سلامة الطفل تُلغي جنازة صدري!! آااه “صدري”، ذلك المتوَّج قديمًا بشهوة العيون.
“يقولون عني امرأة”
عندما يعود صغيري للنوم أهرب إلى المرآة، أقف أمامها، والمرآة لا تعرفني الآن، تحدّق فيَّ بحيرة كأنها تسأل أين الفتاة التي كانت هنا؟ أرتدي ملابسي القديمة فتضحك الأزرار في وجهي، أجرّبها واحدةً تلو الأخرى ثم أبكي وأنا أمرّر يدي على بطني، فأجد أنني ألامس أثر حريقٍ طال جدار غرفتي ببيت أهلي قبل زواجي، فأشعر أنني منكوبة تُركت لأقف وحيدة أتذكر الفاجعة.
“يقولون عني زوجة”
فاجعة، لأن الرجل الذي كان يحدّق بي كأنني قصيدة، أصبح ينظر إليّ كصفحةٍ قرأها كثيرًا حتى بهت حبرها، لا أنكر أن زوجي رجل شهم لا يقول لي شيئًا يسوءني، لكننا نحن معشر النساء نعرف كيف تتكلم العيون حين لا يعود يحركها جسد، كأن الأمومة سحبتني من خانة النساء وألصقتني في خانة التضحية.
أراه يطيل النظر إلى النساء في الشارع، المشدودات، اللامعات، المكتملات، ثم يعود إليّ، نعم، إنه يعود إليّ دومًا!!
يعود بنظرة أشد إيلامًا من أي إهانة! لأنها نظرة محترمة جدًا، إن أقسى ما تمر به الزوجة هو أن تتأكد من أن رغبة زوجها في النساء حيّة بقوة، ولكن تلك الرغبة لا تشتهيها!!
ولا شيء يقتل المرأة أبطأ من أن تشعر أن الرجل الذي أحبّها صار يتذكّر جمالها بصيغة الماضي.
“يقولن عني أنثى”
أنا لا أريد الشفقة، أريد أن يتحقق حلمي الوحيد والصغير في هذه الدنيا، فقط أريد تلك النار الأولى..
نعم أريد أن أُرى كما كنت قبل أن يكتب العمر سيرته الجديدة فوق جسدي، وها هو الآن بدأ يقايض وجهي أيضًا!!!
رباه، حتى الفراش تغيّر، حين يقترب مني زوجي أشعر أن بيننا جسدًا ثالثًا لا يُرى، يده حين تلمسني لم تعد ترتجف كما كانت، لم تعد تسبقها تلك الرغبة التي كانت تسبق العالم كله، كأنها يدٌ تتذكّر أكثر مما تشعر، أو تحاول أن تتصالح مع ما تبقّى مني بدل أن تشتعل بي، الأزواج في العادة لا يقولون الحقيقة لزوجاتهم، لكن أجسادهم تقولها بدلًا عنهم. أغلب الرجال يحبّون أن يقولوا إنهم يعشقون المرأة لروحها، لكنهم حين تنطفئ فتنة الجسد يتذكّرون نساءً أخريات يثرن خيالهم، “ولو كن أقل جمالًا من زوجاتهم في السابق”.
أعلم جيدًا ذلك النوع من النظرات الذي يبدأ بالشفقة وينتهي بالنفور.
أعي جيدًا معنى أن يربّت الرجل على كتفك بحنان بدلًا من أن يجذب خصرك بشهوة. اليد التي كانت تجوع إليك تصير مهذبة. النظرة التي كانت تلتهمك تصير عابرة. والصمت فوق السرير يصير أطول من اللازم.
أعرف جيدًا كيف يبدو الرجل حين يبدأ بتقبّل جسدك بدلًا من اشتهائه. أعرف معنى أن تنامي جوار رجل وتشعري أن بينك وبينه امرأةً أخرى ليست موجودة، إلا في خياله.
“أنا فتاة”
دفعتُ من لحمي ثمن الحبّ كاملًا، وتركتُ على باب الأمومة خصري، ونهدي، وثقتي، والمرأةَ التي كنتُها.
“أنا فتاة”
أنجبت طفلًا وأحببته حتى تمزّق كياني لأجله، ثم وقفت بعد ذلك أجمع أشلائي، وأحاول إقناع نفسي أن التضحية يجب أن تكون كاملة كي تستحق الاحترام.
لكنني في ليالٍ كثيرة لا أريد احترامًا !!!
نعم كذلك هو فلا تتعجبون !
أريد أن أنظر إلى نفسي دون أن أشعر أنني نجوت من معركة وخسرت أنوثتي فيها.
“أنا فتاة”
أنجبت حياة، ومنذ ذلك اليوم أعيش في جسد قربان.
نعم، إنها يوميًا تضحية عظيمة، وجنازةٌ صغيرة لا تنتهي.
