في خطوة علمية تعكس تطور البحث الإعلامي المصري، نجحت الباحثة والإعلامية المصرية مي عبد الفتاح محمود أبو الفتوح في تقديم نموذج نظري جديد يحمل عنوان «الدفاع الرمزي في الفضاء الرقمي»، وذلك ضمن رسالتها للدكتوراه التي نالت عنها درجة الدكتوراه في الإعلام من كلية الآداب بجامعة المنصورة بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بالطباعة والنشر على نفقة الجامعة والتبادل مع الجامعات الأجنبية.
ويُعد تقديم النماذج والنظريات العلمية من أكثر المسارات البحثية تعقيدًا في العلوم الإنسانية، إذ يتجاوز حدود رصد الظواهر وتحليلها إلى بناء أطر تفسيرية قادرة على فهم السلوك الإنساني واستشراف تحولاته المستقبلية. ومن هذا المنطلق، سعت الباحثة إلى تقديم رؤية تفسيرية جديدة لأنماط التفاعل الرقمي المرتبطة بصورة الدولة ورموزها الوطنية عبر المنصات الرقمية.
ويرتكز نموذج «الدفاع الرمزي في الفضاء الرقمي» على تفسير الكيفية التي يتفاعل بها الجمهور مع المحتوى الوطني الذي يتناول إنجازات الدولة ومقدراتها ومظاهرها الحضارية والتاريخية، حيث يفترض أن هذا النوع من المحتوى يولد أنماطًا متعددة من السلوك الدفاعي لدى المستخدمين، تتباين وفق طبيعة الرسائل الإعلامية والخصائص الثقافية والسلوكية للجمهور، فضلًا عن طبيعة المنصات الرقمية وأدواتها التفاعلية.
وتميز الدراسة بين نمطين رئيسيين للدفاع الرمزي؛ أولهما «الدفاع الاستباقي» الذي يتجلى في دعم المحتوى الإيجابي وإعادة نشره والتفاعل معه والتعبير عن الفخر والانتماء الوطني، وثانيهما «الدفاع الرد فعلي» الذي يظهر في مواجهة المحتوى السلبي أو حملات التشويه الرقمية من خلال التصحيح والتفنيد وتقديم الأدلة والمعلومات المضادة.
كما قدمت الباحثة مفهومًا جديدًا أطلقت عليه «اللجان الرقمية الشعبية التلقائية»، في إشارة إلى تجمعات رقمية تنشأ بصورة عفوية بين المستخدمين للدفاع عن صورة الدولة ومقدراتها دون وجود تنظيم مسبق أو توجيه مؤسسي مباشر، بما يعكس أشكالًا مستحدثة من الحشد والتضامن الرقمي في بيئة الاتصال الحديثة.
ولم يقتصر النموذج على الجانب النظري فحسب، بل خضع للتطبيق والاختبار العلمي ضمن الدراسة، حيث أظهرت النتائج قدرة النموذج على تفسير عدد من أنماط التفاعل المرتبطة بالمحتوى الوطني والسياحي، بما يعزز من صلاحيته كإطار تفسيري يمكن البناء عليه في دراسات لاحقة.
وخلال المناقشة العلمية، أشادت لجنة الحكم والمناقشة بأصالة الفكرة وجرأة الطرح العلمي، مؤكدة أن الدراسة تمثل محاولة جادة للإسهام في تطوير مسار التنظير الإعلامي العربي، من خلال تقديم نموذج تفسيري جديد يتعامل مع التحولات المتسارعة التي فرضتها بيئة الإعلام الرقمي والاتصال الجماهيري.
وضمت لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور عبد العزيز السيد عبد العزيز، أستاذ الصحافة والعميد السابق لكلية الإعلام بجامعة بني سويف ومؤسس كلية الإعلام بجامعة جنوب الوادي، مناقشًا خارجيًا، والأستاذ الدكتور عبد الهادي أحمد النجار، أستاذ الصحافة وتكنولوجيا الفن الصحفي بكلية الآداب جامعة المنصورة، مشرفًا وعضوًا، والأستاذ الدكتور مجدي محمد عبدالجواد الداغر، أستاذ الصحافة ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنصورة، مناقشًا داخليًا.
ويُنظر إلى «نموذج الدفاع الرمزي في الفضاء الرقمي» باعتباره إحدى المحاولات البحثية المصرية الحديثة الرامية إلى الانتقال من مرحلة توصيف الظواهر الرقمية إلى بناء نماذج ونظريات قابلة للاختبار والتطوير، بما يسهم في إثراء الأدبيات العلمية العربية وتعزيز حضور الباحثين المصريين في مجال التنظير الإعلامي المعاصر.