بقلم: أ. سمير يسي
في السياسة الدولية، ليست كل الأزمات مجرد ملفات تقنية أو نزاعات حدودية؛ فبعضها يحمل في طياته “نذير تحول” يغير وجه التاريخ. وما تشهده كواليس المفاوضات في سويسرا اليوم ليس استثناءً، بل هو كشفٌ لحالة من التخبط الاستراتيجي الذي تعيشه القوة العظمى، التي باتت تصطدم بحقيقة أن “عصر الإملاءات” قد ولى، وأن العالم الذي كان يُدار من واشنطن بضغطة زر، لم يعد يستجيب لسياسات التهديد التي عفى عليها الزمن.
مشهد المواجهة: نسف التهدئة
في مشهدٍ يعكس عمق الأزمة الدبلوماسية، تحولت قاعات المفاوضات في سويسرا إلى ساحة مواجهة محتدمة، حيث أدت التصريحات التصعيدية للإدارة الأمريكية إلى نسف جهود التهدئة، دافعةً بالوفد الإيراني إلى الانسحاب الفوري احتجاجاً على ما وصفته طهران بـ “لغة الإملاءات” التي تتنافى مع أصول العمل الدبلوماسي.
واشنطن.. مخاوف من “انفجار إقليمي”
تؤكد كواليس التحليلات الغربية أن الاندفاع الأمريكي نحو طاولة المفاوضات لم يعد رهينة الملف النووي وحده، بل بات مرتبطاً بهواجس استراتيجية أوسع. فواشنطن تدرك اليوم أن أي انزلاق نحو مواجهة شاملة في الخليج — لا سيما مع تهديدات تعطل الملاحة في مضيق هرمز أو اتساع رقعة الصراع لتشمل الجبهة اللبنانية — سيعني عملياً ضربة قاضية لاستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو كابوس تسعى البيت الأبيض لتجنبه بكل السبل السياسية المتاحة.
طهران.. الندية لا التبعية
من جهتها، اتخذت طهران موقفاً حازماً، مؤكدة أن عودة وفدها للمفاوضات مرهونة بتغيير قواعد الاشتباك. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: لا تفاوض تحت وطأة التهديد. وبينما تتشابك خيوط الأزمة مع الملف اللبناني والضغوط الإسرائيلية، تقف القوى الدولية — وعلى رأسها روسيا والصين — كمراقبين دقيقين، يراقبون من كثب كيف ستؤثر هذه التوازنات على أمن الطاقة العالمي.
فخ القوة.. حينما تصبح الهيمنة عبئاً
على مدى عقود، ارتكزت الاستراتيجية الأمريكية على “المزيج الخشن” من القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي. غير أن التاريخ الحديث أثبت أن القوة العسكرية المفرطة غالباً ما ترتد على أصحابها، وأن الكلفة الباهظة للحروب أصبحت عائقاً أمام تحقيق الأهداف السياسية.
نحن اليوم أمام لحظة مفصلية؛ فالعالم لم يعد يتقبل سياسة “الضغوط المطلقة”. إن الأزمة الراهنة، ببعديها النووي والسياسي، هي في جوهرها انعكاس لتحولات جذرية في موازين القوى الدولية.
رؤية ختامية: هل اقتربت “لحظة المراجعة”؟
إن ما يحدث اليوم في أروقة الدبلوماسية هو “اختبار مرارة” للولايات المتحدة؛ فالمسألة تجاوزت حدود طهران، لتصل إلى قناعة دولية متنامية بأن عالم القطب الواحد قد انتهى فعلياً. وبينما تقف القوى الصاعدة في الشرق والجنوب تراقب هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: هل تملك واشنطن “الحكمة” لإدارة تراجعها الاستراتيجي بسلام، أم ستستمر في المكابرة حتى تأتي الرياح بما لا تشتهي سفنها؟
لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تدخل مرحلة التراجع بسبب الضعف فحسب، بل حين تفرط في استنزاف قوتها وتغرق في وهم النفوذ الأبدي. وحينما تغيب العدالة والتوازن عن سياسات الهيمنة، فإن بذور الأفول تبدأ بالنمو في قلب ذروة القوة.
هل يطوي العالم صفحة الهيمنة الأمريكية؟.. قراءة في موازين القوى الجديدة
