كتب/حاتم علي.
حذرت منظمة الصحة العالمية من أن تفشي فيروس الإيبولا الجاري في جمهورية الكونغو الديمقراطية لا يزال «شديدا ومنتشرا جغرافيا»، مؤكدة أن الوباء الذي بدأ في مايو/أيار الماضي في إقليم إيتوري شرقي البلاد واصل التمدد ليطال ست مقاطعات من أصل 26 مقاطعة في البلاد، وسط استمرار ارتفاع حصيلة الوفيات والإصابات رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على إعلانه. وجاء التحذير في بيانات وتقارير أصدرتها المنظمة من مقرها في جنيف، استنادا إلى بيانات ميدانية جمعتها فرقها العاملة في مناطق التفشي بالتعاون مع وزارة الصحة الكونغولية.
ويعود الوباء إلى سلالة «بونديبوغيو» النادرة من فيروس الإيبولا، التي لم يسجل لها سوى تفشيين سابقين فقط في تاريخها، في عامي 2007 و2012، ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدا في ظل غياب لقاح أو علاج معتمد مخصص لهذه السلالة بالتحديد، على عكس سلالة زائير الأكثر شيوعا والتي تتوفر لها لقاحات مرخصة. ويأتي التحذير الأخير في وقت تتقاطع فيه أزمة الوباء مع نزاع مسلح مستمر ومستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في شرق البلاد، وهو ما وصفته المنظمة ب«التصادم الكارثي» بين المرض والصراع.
أرقام متصاعدة تكشف حجم الأزمة
تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المناطق الصحية المتأثرة ارتفع من 54 إلى 60 منطقة صحية خلال أسابيع قليلة فقط، بعدما سجلت إصابات جديدة في مناطق لم تكن مشمولة سابقا، من بينها منطقتا بيينا ومانغوريدجيبا في إقليم نورث كيفو، إضافة إلى مناطق في مقاطعتي باس أويلي وتشوبو. ويعكس هذا التوسع، بحسب المنظمة، «زيادة كبيرة في نطاق الوباء وامتداده الجغرافي» خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وتجاوزت حصيلة الإصابات المؤكدة، وفق آخر التحديثات، ستة آلاف حالة، فيما تخطت الوفيات ثلاثة آلاف ومئة حالة، بمعدل وفيات إجمالي يقارب 48 في المئة، وهي نسبة مرتفعة تعكس شدة السلالة المسببة للوباء والتحديات المستمرة في الكشف المبكر عن الحالات وتوفير الرعاية السريرية الملائمة. وتقر المنظمة نفسها بوجود «شكوك كبيرة» بشأن العدد الحقيقي للمصابين والانتشار الجغرافي الفعلي للحدث، ما يرجح أن تكون الأرقام الرسمية أقل من الواقع الميداني.
وامتد الوباء عبر الحدود إلى أوغندا المجاورة في وقت سابق من هذا العام، قبل أن تعلن كمبالا انتهاء تفشيه على أراضيها بعد استكمال فترة مراقبة استمرت 42 يوما من دون تسجيل إصابات جديدة، في مؤشر نادر على نجاح جزئي وسط مشهد إقليمي عام لا يزال ينذر بالقلق.
عوائق ميدانية تبطئ جهود الاحتواء
يكشف مسؤولون في منظمة الصحة العالمية أن النقص الحاد في الموظفين المدربين والشركاء التنفيذيين والتمويل يعرقل جهود توسيع نطاق الاستجابة، في وقت يواصل فيه المرض التمدد خارج بؤرته الأولى في مدينة بونيا. وقد دفع هذا الاتساع الجغرافي السلطات الصحية إلى تبني استراتيجية لا مركزية، عبر إنشاء مراكز علاج أقرب إلى المجتمعات المتضررة حديثا بدلا من الاعتماد على مراكز مركزية بعيدة.
وتفاقم النزاعات المسلحة الدائرة في شرق الكونغو الديمقراطية من صعوبة الوصول إلى المناطق المنكوبة، إذ أوضح المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن مرافق صحية عديدة في المناطق المتضررة إما غير عاملة أو تعمل في ظل قيود شديدة بسبب انعدام الأمن، ما يحد من قدرة الفرق الطبية على تتبع المخالطين وتوصيل الإمدادات الأساسية، من معدات الحماية الشخصية إلى وسائل النقل اللازمة للوصول إلى القرى النائية.
ويضاف إلى ذلك عامل الجوع، إذ يعيش نحو 26.5 مليون شخص في البلاد مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما حذر منه تيدروس بقوله إن «الجوع والمرض رفيقان قديمان»، وإن الأشخاص الذين أنهكهم الجوع أكثر عرضة للإصابة بالعدوى وأقل قدرة على مقاومتها، ما يخلق حلقة مفرغة تصعب مهمة الاحتواء.
مخاوف من اتساع الرقعة وخطر عابر للحدود
يقلق المنظمة بشكل خاص أن سلالة بونديبوغيو النادرة أظهرت في هذا التفشي قدرة على الانتشار في مناطق حضرية وعبر الحدود، وهو نمط غير معتاد بالمقارنة مع تفشيات سابقة كانت تقتصر عادة على مناطق ريفية معزولة. ويرفع هذا النمط من احتمالات وصول العدوى إلى دول أخرى في المنطقة تشترك مع الكونغو الديمقراطية في حدود طويلة يصعب ضبطها.
ورغم الصورة القاتمة عموما، سجلت الاستجابة الصحية بعض المؤشرات الإيجابية المتفرقة، من بينها إعلان المنظمة عن أول حالة شفاء مؤكدة لمريض أصيب بالفيروس، في إشارة إلى أن بروتوكولات العلاج الداعم قد تحدث فرقا متى ما توفرت في الوقت المناسب. كما تعمل المنظمة، بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي، على تقديم الدعم اللوجستي للفرق الميدانية، من ضمان التواصل عبر الإنترنت إلى إدارة أساطيل المركبات التي تنقل خبراء الأوبئة إلى القرى المعزولة.
وأعلنت المنظمة هذا الوباء حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا منذ منتصف مايو/أيار الماضي، وهو التصنيف الأعلى الذي تمنحه المنظمة لأي حدث صحي عالمي، ما يفتح الباب أمام تعبئة موارد دولية إضافية. غير أن المسؤولين يشددون على أن استمرار الفجوة بين حجم الاحتياجات الميدانية والتمويل المتاح يبقي مسار الوباء مفتوحا على احتمالات غير مطمئنة، في ظل توقعات بأن يشكل هذا التفشي أحد أكبر موجات الإيبولا تسجيلا من حيث الحصيلة والامتداد الجغرافي منذ عقد على الأقل.
