الأطر القانونية لحماية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.. تحديات الواقع ورؤية تشريعية للمستقبل

بقلم الأستاذ مالك السعيد المحامي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح قادرًا على إنتاج النصوص والصور والتصميمات والموسيقى والبرمجيات وغيرها من صور الإبداع، وهو ما يضع القواعد التقليدية لحماية الملكية الفكرية أمام تحديات قانونية غير مسبوقة.

فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على التعلم من ملايين المصنفات والأعمال السابقة ثم إنتاج محتوى جديد، فإن السؤال القانوني لم يعد مقتصرًا على: من هو المؤلف؟ بل امتد إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: من يملك الناتج؟ وهل يجوز استخدام المصنفات المحمية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا نتج عن استخدام هذه الأنظمة اعتداء على حقوق الغير؟

أولًا: استخدام المصنفات المحمية في تدريب الذكاء الاصطناعي

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي على كميات هائلة من البيانات، وقد تتضمن كتبًا ومقالات وصورًا ورسومات وأعمالًا موسيقية وبرمجيات وغيرها من المصنفات التي تتمتع بالحماية القانونية.

وهنا تبرز إشكالية أساسية: هل مجرد إتاحة المصنف على الإنترنت تبيح استخدامه في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي دون موافقة صاحبه؟

الأصل أن نشر المصنف أو إتاحته للجمهور لا يعني بذاته سقوط حقوق الملكية الفكرية عنه، ولا يحوله إلى مال مباح يمكن استغلاله دون ضوابط.

ومن ثم، فإن استخدام المصنفات المحمية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد حدود الاستخدام المشروع، والحالات التي تتطلب ترخيصًا من أصحاب الحقوق، والاستثناءات التي يجوز فيها الاستخدام دون ترخيص وفقًا للقانون.

ثانيًا: من يملك المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

تزداد المسألة تعقيدًا عندما ينتج نظام الذكاء الاصطناعي صورة أو مقالًا أو تصميمًا أو مقطوعة موسيقية أو برنامجًا.

فمن يكون صاحب الحق في هذا الناتج؟

هل هو المستخدم الذي أصدر الأوامر؟ أم مطور النظام؟ أم أن الناتج الذي أنشأته الآلة بصورة مستقلة لا تتوافر فيه أصلًا شروط الحماية المقررة للمصنفات البشرية؟

وهنا يجب التمييز بين الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة يستخدمها الإنسان في عملية إبداعية، وبين المحتوى الذي يتم إنشاؤه بصورة آلية مع غياب أو محدودية التدخل الإبداعي البشري.

فكلما كان للإنسان دور إبداعي حقيقي في الاختيار والصياغة والترتيب والتعديل والتطوير، أمكن تحديد مساهمته البشرية بصورة أوضح وتحديد نطاق الحقوق المرتبطة بها.

ثالثًا: هل يعفي استخدام الذكاء الاصطناعي من المسؤولية عن الاعتداء؟

القول بأن المحتوى «تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي» لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من المسؤولية القانونية.

فقد ينتج النظام محتوى يتطابق أو يتشابه بصورة مؤثرة مع مصنف محمي، أو يستخدم عناصر مرتبطة بعلامة تجارية أو تصميم أو غير ذلك من حقوق الملكية الفكرية.

وعندئذ يجب بحث طبيعة الاستخدام ومدى الاعتداء والقانون الواجب التطبيق.

وتظهر هنا مسألة بالغة الأهمية: من يتحمل المسؤولية؟

هل يتحملها مطور النظام؟ أم مقدم الخدمة؟ أم المستخدم الذي طلب المحتوى ثم نشره أو استغله تجاريًا؟

والإجابة لا ينبغي أن تكون واحدة في جميع الحالات، بل يجب أن تتحدد المسؤولية وفقًا لدور كل طرف ومدى علمه وسيطرته على الاستخدام والضرر الناتج عنه.

رابعًا: القانون المصري أمام تحديات الذكاء الاصطناعي

يمثل القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية الإطار التشريعي الأساسي للملكية الفكرية في مصر.

إلا أن التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أوجد مسائل لم تكن مطروحة بالصورة الحالية عند صدور القانون، خاصة ما يتعلق باستخدام المصنفات في تدريب الأنظمة، وملكية المخرجات الآلية، وإثبات الاعتداء، وتحديد المسؤولية القانونية.

وهذا لا يعني عدم صلاحية القواعد القائمة، وإنما يؤكد الحاجة إلى تطويرها واستكمالها بنصوص أكثر تحديدًا لمواجهة طبيعة الذكاء الاصطناعي.

خامسًا: رؤية قانونية مقترحة لحماية الملكية الفكرية

في تقديري، لا ينبغي أن تقتصر الحماية القانونية على انتظار وقوع الاعتداء ثم اللجوء إلى القضاء، وإنما يجب بناء منظومة تشريعية وقائية تحقق التوازن بين حماية أصحاب الحقوق وتشجيع الابتكار.

ومن هذا المنطلق، أرى أهمية تبني عدد من الضوابط القانونية:

1- تنظيم استخدام المصنفات في تدريب الذكاء الاصطناعي:
بوضع قواعد واضحة تحدد الحالات التي تستلزم موافقة صاحب الحق، والاستثناءات المشروعة، بما يمنع ترك المسألة للاجتهاد وحده.

2- تعزيز الشفافية:
بإلزام الجهات المطورة، في الحدود التي يحددها القانون، بدرجة مناسبة من الشفافية حول مصادر وطرق الحصول على بيانات التدريب، مع حماية الأسرار التجارية المشروعة.

3- إنشاء آلية للاعتراض والترخيص:
بحيث يتمكن أصحاب الحقوق من ممارسة حقوقهم بشأن استخدام مصنفاتهم في التدريب وفقًا لما يقرره القانون، مع إمكان تطوير نظم للترخيص الجماعي في المجالات التي يصعب فيها الحصول على تراخيص فردية.

4- إقرار نظام عادل للترخيص والمقابل المالي:
عندما يتم استغلال المصنفات المحمية تجاريًا في الحالات التي تستوجب الترخيص، بما يحفظ للمبدع القيمة الاقتصادية لإنتاجه الفكري.

5- تحديد المسؤولية القانونية بوضوح:
ووضع معايير تحدد مسؤولية مطور النظام ومقدم الخدمة والمستخدم بحسب دور كل منهم في الواقعة، بدلًا من تحميل طرف واحد المسؤولية بصورة مطلقة أو تركها بلا تحديد.

6- وضع قواعد واضحة لملكية مخرجات الذكاء الاصطناعي:
مع التمييز بين الناتج الآلي المحض وبين العمل الذي يتضمن مساهمة بشرية إبداعية حقيقية، وتحديد نطاق الحماية القانونية لهذه المساهمة.

7- تطوير وسائل الإثبات الرقمي:
بما يسمح بإثبات تاريخ إنشاء المصنف وأصالته ومراحل تطويره ومدى التدخل البشري فيه، والاستفادة من البصمة الرقمية وغيرها من وسائل التوثيق الحديثة.

8- إنشاء آليات متخصصة وسريعة لتسوية المنازعات:
فالمنازعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتطلب خبرات فنية وقانونية متخصصة وسرعة تتناسب مع طبيعة البيئة الرقمية.

9- تعزيز التعاون القانوني الدولي:
لأن الاعتداء في البيئة الرقمية قد يبدأ في دولة، ويقع أثره في دولة أخرى، بينما يوجد صاحب الحق أو الشركة المطورة في دولة ثالثة، وهو ما يثير مسائل الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق وتنفيذ الأحكام عبر الحدود.

التوازن بين حماية الإبداع وتشجيع الابتكار

إن حماية الملكية الفكرية لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام التطور التكنولوجي، كما أن تشجيع الذكاء الاصطناعي لا يجوز أن يكون مبررًا لإهدار حقوق المبدعين.

ومن ثم، فإن التشريع المستقبلي يجب أن يقوم على معادلة واضحة:

ذكاء اصطناعي قادر على التطور والابتكار، وفي المقابل إنسان لا يفقد حقه في ثمرة فكره وإبداعه.

فالتحدي القانوني الحقيقي ليس في منع الذكاء الاصطناعي، وإنما في وضع الحدود الفاصلة بين الاستخدام المشروع والاستغلال غير المشروع، وبين الابتكار والاعتداء، وبين الاستفادة من المعرفة الإنسانية والاستيلاء على حقوق أصحابها.

وأرى أن حماية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي ستكون من أهم الملفات القانونية خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يستوجب تطوير التشريعات الوطنية وتعزيز التعاون الدولي، بما يضمن أن يسير التطور التكنولوجي جنبًا إلى جنب مع احترام حقوق الإنسان في فكره وإبداعه.

مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
المتخصص في القضايا الدولية والعابرة للحدود
الأطر القانونية لحماية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.. تحديات الواقع ورؤية تشريعية للمستقبل

Related posts

Leave a Comment