جرائم الاعتداء على متن الطائرات.. من يملك الاختصاص بالمحاكمة ومتى تصبح الجريمة تهديدًا لسلامة الطيران

بقلم المحامي/ مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
المتخصص في القضايا الدولية والعابرة للحدود
أعادت الواقعة التي أُثيرت مؤخرًا بشأن اعتداء وقع على متن إحدى رحلات فلاي دبي إلى الواجهة سؤالًا قانونيًا مهمًا لا يتعلق بتلك الواقعة وحدها، وإنما بكل جريمة يمكن أن تقع على متن طائرة أثناء رحلة دولية:
أي دولة تملك الاختصاص بالتحقيق والمحاكمة؟
هل هي دولة تسجيل الطائرة؟ أم الدولة التي أقلعت منها الرحلة؟ أم الدولة التي هبطت فيها؟ أم يمكن أن ينعقد الاختصاص لدولة أخرى بسبب جنسية المتهم أو المجني عليه؟
ثم يثور سؤال لا يقل أهمية: هل الاعتداء على شخص داخل الطائرة يظل جريمة عادية واقعة على الأشخاص، أم أن وقوعه على متن طائرة يمكن أن يمنحه وصفًا قانونيًا أشد متى امتد أثره إلى أمن الرحلة وسلامة الطائرة؟
والإجابة تقتضي التفرقة بين قواعد الاختصاص القضائي الدولي من ناحية، والتكييف القانوني للفعل المرتكب على متن الطائرة من ناحية أخرى.
أولًا: أي دولة تختص بالجريمة التي تقع على متن الطائرة؟
الأصل أن تحديد الاختصاص لا يتوقف على جنسية المتهم أو المجني عليه وحدها، كما لا يكفي النظر فقط إلى دولة الإقلاع أو دولة الوصول.
فهناك أهمية خاصة لدولة تسجيل الطائرة، إلى جانب حالات أخرى قد تسمح لدولة الهبوط أو لدولة أخرى ترتبط بالجريمة بمباشرة اختصاصها وفقًا لقانونها الوطني والاتفاقيات الدولية واجبة التطبيق.
وقد وضعت اتفاقية طوكيو لعام 1963 بشأن الجرائم وبعض الأفعال الأخرى المرتكبة على متن الطائرات إطارًا دوليًا للتعامل مع هذه الوقائع، وأقرت اختصاص دولة تسجيل الطائرة، مع عدم استبعاد صور أخرى للاختصاص متى توافرت شروطها القانونية.
وهنا تظهر أهمية واقعة فلاي دبي كمثال عملي؛ فمجرد وقوع الاعتداء على رحلة دولية لا يكفي وحده للقول بصورة قاطعة إن دولة الإقلاع أو الوصول هي المختصة بالمحاكمة، وإنما يجب أولًا تحديد تسجيل الطائرة، ومكانها وقت الواقعة، ودولة الهبوط، وجنسية أطراف الواقعة، وطبيعة الفعل المرتكب.
ثانيًا: هل الاعتداء على متن الطائرة جريمة عادية؟
وقوع الاعتداء داخل الطائرة لا يحوّل كل جريمة ضرب أو اعتداء تلقائيًا إلى جريمة ماسة بسلامة الطيران.
فإذا اقتصر الفعل على اعتداء شخص على آخر دون أن يمتد أثره إلى سلامة الطائرة أو سير الرحلة، فقد يظل التكييف الأساسي متعلقًا بالجريمة الواقعة على الشخص وفقًا للقانون الواجب التطبيق.
لكن وجود الواقعة على متن طائرة أثناء الرحلة يضعها في إطار قانوني بالغ الخصوصية؛ لأن طبيعة المكان والظروف المحيطة بالفعل قد تؤثر في تقدير خطورته وآثاره القانونية.
ثالثًا: متى يتحول الاعتداء إلى جريمة تمس سلامة الطائرة؟
الفاصل الحقيقي هنا هو أثر السلوك وخطورته على الرحلة.
فإذا أدى الاعتداء، أو كان من شأنه، إلى تعريض سلامة الطائرة أو الأشخاص الموجودين عليها للخطر، أو عرقلة أفراد الطاقم عن أداء مهامهم، أو التدخل في تشغيل الطائرة، أو إحداث اضطراب جسيم يهدد أمن الرحلة، فإننا ننتقل إلى نطاق قانوني أكثر خطورة.
وعندئذ لا تعود المسألة مجرد اعتداء بين شخصين، وإنما قد تخضع – بحسب ظروف الواقعة والنصوص واجبة التطبيق – للأحكام الخاصة بحماية أمن وسلامة الطيران المدني.
وهذا تحديدًا هو الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه عند قراءة أي واقعة مشابهة لما أثير بشأن رحلة فلاي دبي: العبرة ليست فقط بوقوع الاعتداء داخل الطائرة، وإنما بطبيعته ومدى تأثيره في أمن الرحلة وسلامتها.
رابعًا: لماذا يختلف الاعتداء داخل الطائرة عن الاعتداء في مكان عادي؟
لأن الطائرة أثناء الرحلة بيئة شديدة الخصوصية.
فالركاب يوجدون في حيز مغلق وعلى ارتفاع كبير، وأي اضطراب عنيف قد يتجاوز أطراف المشاجرة ليؤثر في بقية الركاب أو أفراد الطاقم، بل وقد يؤثر في قدرة الطاقم على المحافظة على النظام وأمن الرحلة.
لذلك لا ينظر القانون فقط إلى من اعتدى على من، وإنما أيضًا إلى مكان الاعتداء وظروفه والنتائج التي ترتبت عليه ومدى الخطر الذي أحدثه أو كان يمكن أن يحدثه بالنسبة للرحلة.
خامسًا: دور قائد الطائرة
لقائد الطائرة صلاحيات خاصة للمحافظة على الأمن والنظام على متنها.
فإذا توافرت أسباب معقولة للاعتقاد بأن شخصًا ارتكب أو يستعد لارتكاب فعل يهدد سلامة الطائرة أو الأشخاص أو الأموال الموجودة عليها، أو يمثل إخلالًا جسيمًا بالنظام على متنها، يمكن اتخاذ التدابير التي تسمح بها القواعد المنظمة للطيران.
وعند الهبوط قد يتم تسليم الشخص إلى السلطات المختصة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التحقيق وتحديد الوصف القانوني الدقيق للفعل والدولة صاحبة الاختصاص.
سادسًا: الجريمة الواحدة قد ترتبط بأكثر من دولة
قد تكون الطائرة مسجلة في دولة، وشركة الطيران تتبع دولة معينة، والمتهم من دولة أخرى، والمجني عليه يحمل جنسية دولة ثالثة، بينما يقع الهبوط في دولة رابعة.
وهنا تظهر الطبيعة الحقيقية للجريمة العابرة للحدود.
ولذلك فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يقتصر على: أين وقع الاعتداء؟
بل يجب أن يشمل أيضًا:
أين سُجلت الطائرة؟ أين كانت وقت الواقعة؟ أين هبطت؟ ما جنسية أطراف الواقعة؟ وما طبيعة الفعل ومدى تأثيره في أمن الرحلة؟
وبناءً على هذه العناصر، إلى جانب القانون الوطني والاتفاقيات الدولية واجبة التطبيق، يتحدد نطاق الاختصاص القضائي.
لذلك
واقعة فلاي دبي أعادت طرح مسألة قانونية تستحق الاهتمام: الجريمة على متن الطائرة ليست مجرد واقعة جنائية تقليدية مرتبطة بمكان واحد.
فالاعتداء على شخص قد يظل من حيث الأصل جريمة واقعة على الأشخاص، ولكن إذا امتد أثره إلى أمن الرحلة أو سلامة الطائرة أو الركاب أو الطاقم، فإن التكييف القانوني قد يتغير، وتدخل الواقعة في نطاق أشد خطورة.
أما تحديد الدولة المختصة بالمحاكمة، فلا يحسمه اسم شركة الطيران أو دولة الإقلاع أو الوصول وحدهما، وإنما يتطلب دراسة مجموعة من الروابط القانونية، وفي مقدمتها دولة تسجيل الطائرة وظروف الواقعة ومكان الهبوط وجنسية الأطراف وطبيعة الجريمة.
وهنا تتجلى خصوصية الجرائم التي تقع على متن الطائرات:
فالمكان ليس مجرد مسرح للجريمة، وإنما قد يصبح عنصرًا مؤثرًا في تكييفها القانوني وتحديد الدولة صاحبة الاختصاص.
المحامي/ مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
المتخصص في القضايا الدولية والعابرة للحدود
جرائم الاعتداء على متن الطائرات.. من يملك الاختصاص بالمحاكمة ومتى تصبح الجريمة تهديدًا لسلامة الطيران؟

Related posts

Leave a Comment