“انطفاء”

. كتب أحمد البياسي
انطفاء الشمس ! .. انعكاس خفوتها على الماء ! .. الماء يصدر خريرًا ، كأن أشعة الشمس سكينًا باردًا تداعب أوصال الماء ، تداعبه بقسوة ليخبرني مجبرًا ..
‏ ” انتقص من عمرك شمسًا ” ..

‏”هكذا قال لي الماء في حضرة الغروب”

” كم أمقته ولا أدري لما يعشق البشر الغروب ؟! ”

ما هذه السلبية ؟!
أود أن أكون أكثر حماسة .. وإني لألتمس الحماسة دائمًا في ” الشروق” ! ..
الشروق .. إنه افتتاحية جديدة !!!
“افتتاحية جديدة للحياة” ..

إنه دليل على مولد يوم أخر عنوة من رحم الصمت .. أاااخ الصمت !! ..
‏إنه دائمًا يسري داخل الضوء ..، داخل الشروق ! ، فيجعله معتمًا ..

‏يترك لي رسالة على الماء يخبرني ..

” ‏ عزيزي هذا يوم جديد ..
جديد ينقص من عمرك “..

‏ أكره الشروق كذلك ! ..
‏أهيمُ في ممرات رأسي وأنا أستعيد الذكريات ، لأجد أني لم أعد أعرف حتى الطرقات ! ، لقد نسيتُ كل الأشياء “الشوارع ، الحانات ، الأصدقاء ، المستشفيات”
حتى طريق اللذة فقدته !!
‏ كما فقدت قبله طريق الاشتهاء ! ..
‏ “زهدتُ رغمًا عني حتى رائحة الأحباء !” ، أصبح النور في عقلي بداية طريق المتاهات ! ، بارود الذكرى مطحون ، منثور في كل الاتجاهات ، وفتيل الوحدة بعرض الأرض يتدلى من أعظم الغيامات ..

يا إلهي ألجمني، يا إلهي ارحمني ..، ستصبح عما قريب مثل صحن البيض المخفوق كيمياء مخي !!!

، ها أنا أرج ، و أرج ..،
أَتلفَتُ حولي سابحًا في المجهول .. أنظر يمينًا ، ويسارًا كمن يسمع أحدهم يناديه ، يتفحص في ريبة ماحوله ، يتفقد بعينه هنا وهناك الجدران ، ولكنه لا يجد أثرًا لأصحاب الأصوات ..
” كل ما حاولي سراب “
مازلت أرج رأسي ..، ساحت تلافيف عقلي ، ومازلت أرج ، كطبيب بيدين مرتعشتين يرتج ، وهو يعطي أخر صدمة كهربائية لمريض ، خشية أن يواجه أهله بحقيقة توقف نبضه ..،
‏لقد توقفت نبضات عقلي منذ عامين ، وأخشى أن أصارح نفسي، فأنا رأسي مريضة، ولا إحياء لذاكرتي يجدي ، ولا يجدي معها حيلة كذلك ..

أيها الكون ‏” لن أتقبل مزيدًا من الصدمات ، ولن أتقبل مزيدًا من المصارحات ” ..

أتلفتُ وأنا أُذهِب أُطرُ رسوم عقلي ولوحاته ، أحاول نقش الأسماء ، فاكتشف أنني فقدت توقيعي !!! ..
رباه أعني فأنا فاقدًا لمجرد اسمي !

لم أعد أبالي بسقوط مرايا العواطف المُغبرة من على الحائط المُتصدع من أثر الغرام ، إنها تسقط تباعًا ، أنظر لها بدون رهبة ، بدون شغف ، بدون تأوهات ، ولازلت أرحل داخلي وأُذهِبُ في عقلي لوحات !! ..أنجزها ، ثم أعود من جديد و أرسم غيرها ! ، لكنني لم أعد أُعدد الرسم !! ، بل أرسم شيئـًا واحدًا فقط ومكررًا !! ..

أرسم رجلًا في هيئة جندي يهرب حاملًا بيد سلاحه ، ويده الأخرى يحاول بها سد فوهة في رأسه الدامي تتساقط منه الأشخاص مصروعة لتسقط في توابيت العدم زخرفتها من زمن فات !!

‏أنتهي من الرسم لتعاودني الأصوات ! لتعاودني الصرخات ! ، لم أتخلص من تيهي إلى اليوم ، أنظر في الفراغ أتذكر ما لا أعلمه ! ، أحاول وضع أسماء لهؤلاء الهاوين المتساقطون من رأس الجندي ..
‏بل المتساقطون من رأسي ..، و أغضب ! ..
أصرخ بصوت مبحوح شرخه الألم
“لا أريد التخلي عنكم” ..

‏ أااخ لقد نسيت ! ..
‏لقد نسيت الاحتجاج ، بل إني نسيت حتى الاحتياج .

Related posts

Leave a Comment