بقلم .. نسرين يسري
هناك لحظات في الحياة لا يمكن تفسيرها بمنطق، ولا يمكن قياسها بالوقت أو عدد الأيام والسنوات. فبعض اللقاءات لا تخضع لقوانين البشر، بل لقوانين القدر وحده. وقد يحدث أن تستيقظ في صباحٍ عادي، دون توقعٍ يُذكر، لتجد أن هناك روحًا دخلت حياتك دون استئذان، لتغيّر داخلك بلا ضجيج… وفي يومٍ وليلة فقط.
لقاء الروح ليس كأي لقاء آخر. إنه شعور بالراحة قبل أن تعرف السبب، واطمئنان قبل أن تتأكد من التفاصيل. كأن أحدهم جاء ليكمل قطعة ناقصة في داخلك، لا تدري متى فقدتها، ولا كيف وجدها هو. يحدث أن ينظر إليك أحدهم نظرة صادقة، فتشعر أن سنوات التعب في قلبك هدأت فجأة. يحدث أن يتحدث معك بصدق، فتكتشف أن الكلمات يمكن أن تكون دافئة، وليست مجرد حروف.
في يومٍ وليلة، قد تسمع جملة عابرة تجعل قلبك يتنفس من جديد. أو تجد من يفهم حزنك بلا شرح، ومن يقدّر صمتك بلا عتاب. قد يأتي شخص من بعيد، من مكان لم تتوقعه، ليمنحك إحساسًا بأنك مهم، بأنك تستحق، وأنك مرئيّ بعد أن ظننت أن العالم لا يراك.
ليس شرطًا أن يكون اللقاء طويلًا أو مليئًا بالكلام. فالأرواح لا تحتاج إلى مقدمات. كل ما تحتاجه هو صدق، وتوافق عميق لا يُصنع ولا يُقلَّد. وإن سألت من مرّ بهذه التجربة، سيخبرك أن الشعور لا يشبه الحب فقط، بل يشبه الحياة نفسها.
وفي أحيان كثيرة، يأتي هذا اللقاء بعد فترات طويلة من الألم أو الخذلان، كأن القدر ينتظر لحظة نضجك الداخلي ليعطيك ما تستحقه. وحينها تفهم لماذا لم ينجح أحد قبل هذا الشخص في الوصول إليك. لأن روحك لم تكن مستعدة، ولأن الله كان يدخر لك موعدًا أجمل.
والمثير في الأمر أن لقاء الروح لا يحتاج إلى صراع ولا إلى محاولة إثبات. كل شيء يجري ببساطة، وكأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن بعيد. وكأن القلوب تمتلك ذاكرة خاصّة تتعرّف على من يشبهها بمجرد أن تراه.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان الكثير ليكون سعيدًا… فقط روح واحدة تشبهه، تصدّق عليه بالطمأنينة، وتُعيد له الإيمان بأن الحياة قادرة دائمًا على منح بدايات جميلة، حتى لو جاءت متأخرة.
في يومٍ وليلة… قد تُقابل روحك.
وربما تكون الأيام القادمة تحمل لك هذا اللقاء الذي لم تتوقعه، لكنه سيصل في اللحظة المناسبة، كما لو أنه كان يعرف طريقه إليك منذ البداية.

