دعوة للمطالبة بحقوق الرجل! شعار مسلسلات رمضان 2026

بقلم رادا الجوهري.
قد يظن البعض — إن لم يكن الجميع — أن حديثي اليومَ سينحصرُ في نقدِ الأعمالِ الدرامية، خاصَّةً وأنَّنا بصددِ قضيَّةٍ شائكةٍ ، تُدَمِّرُ الأسرةَ، عُرِضَتْ على الشاشة الصغيرة في هذا العام على وجه التحديد .
لكن، وبغضّ النظر عمّا إذا كنّا نتفق أو نختلف مع ما تقدّمه الشاشة، فإنّ موضوع اليوم لا يقف عند حدود الدراما، ولا يُختزل في مشاهد تُعرض ثم يطويها النسيان ، بل يمتد إلى واقعٍ يعيشه آلاف الآباء يوميًا.
وسط زحام الحديث عن المرأة المقهورة، والأم التي وقع عليها الظلم، غاب — أو كاد يغيب — وجهٌ آخر من المعاناة؛ قهرُ كثيرٍ من الرجال، الذين لا تُسلَّط عليهم الأضواء بالقدر ذاته.
فهذه القضية، في جوهرها، لا تتعلق بصراعٍ بين الزوجين، ولا تُقاس بمن كان المخطئ أو المظلوم، بل هي قبل كل شيء مشكلة إنسانية، ولا تنتهي عند خلافٍ بين طرفين، بل تَمْتَدُّ آثارُها السلبيةُ وعواقبُها الوخيمةُ إلى الأطفالِ الأبرياءِ الذين يقعون ضحيّتَها دون أيِّ ذنبٍ جَنَوْهُ.
غير أنّ ما تعجز القلوب عن احتماله، يُختَزَلُ في نصوصٍ جامدة، بعيدةٍ كلَّ البعدِ عن الإنسانيّة؛ حيث يأتي قانونُ الرؤية فيقيس علاقةَ الأب بأبنائه بساعاتٍ معدودةٍ لا تتجاوز ثلاثَ ساعاتٍ أسبوعيًّا.
والسؤال هنا هل يمكن أن نحرم الأب من أبنائه؟!
فلنفترض أن موعدَ الرؤيةِ يأتي في مناسبةٍ سعيدة، كالأعياد أو يومِ عيدِ ميلادِ الطفل، الذي ينتظره الأبُ بفارغِ الصبر ليحتفل مع أبنائه. وهنا أتحدّث عن الآباء الأسوياء، لا عن النماذج السيئة من الرجال.
وأمام هذا المشهد الإنساني بما يحمله من ألمٍ وشعورٍ بمرارةِ الظلم الواقع على الأب، بات ضروريًّا التوصل إلى حل جذري يعيد الأمور إلى نصابها، وتبرز ضرورةٌ مُلحّة لإعادة النظر في الإطار الذي يُنظِّم هذه العلاقة، التي من المفترض — بل من الواجب — أن تكون قويةً كالبنيان المرصوص.
وفي هذا السياق، لا بدّ من التمييز بوضوح بين عدالة الشريعة الإسلامية، وبين التطبيق القانوني القائم اليوم؛ فالشريعة لم تأتِ يومًا لتقييد علاقة الأب بأبنائه، ولا لتجعلها رهينة وقتٍ محدود، بل أرست مبادئ الرحمة، وصلة الأرحام، ورفع الضرر عن كلا الأبوين.
غير أنّ ما نراه في الواقع لا يُعبِّر عن روح الشريعة الإسلامية السمحة، بل هو مجرد اجتهادٍ قانونيٍّ فرضه مشرِّعو القوانين دون رحمةٍ أو رأفة. فجاء هذا التنظيم الذي وضعه البشر — وهو الذي قد يخطئ — ليُقيِّد علاقةً إنسانيةً لا ينبغي أن تُحاصَر أو تُحدَّد بقيود، وكأنّ هناك حربًا بين الأب وأبنائه بسبب الخلافات الزوجية، ويضعها في إطارٍ زمنيٍّ ضيّق لا يعكس حقيقتها، مع تجاهلٍ تامٍّ لمبدأٍ راسخٍ تقوم عليه الشريعة الإسلامية، ألا وهو دفعُ الضرر ومنعُ الإيذاء بين الناس؛ فلا ضررَ ولا ضرار.
فالأبوة ليست حقًّا طارئًا يُمنح أو يُسلب، ولا علاقةً يمكن ضبطها بساعاتٍ معدودة، بل هي حضورٌ دائم، ومسؤوليةٌ ممتدّة، وارتباطٌ لا ينفصل بقرارٍ أو نصٍّ جامد. فهذا القانون — وإن كان في أصله يستند إلى الشريعة الإسلامية بوصفه حقًّا شرعيًّا — لم يرد فيه نصٌّ صريح يحدِّد مدةَ الرؤية أو يُقيِّدها بهذا الإطار الزمني الضيّق. بل إن النصوص القرآنية جاءت لتُقرِّر مبدأً أساسي، قِوامُه رفعُ الضرر، وصلةُ الأرحام، وحفظُ العلاقة بين الأبوين وأبنائهم.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوحٍ جليٍّ، حين قال تعالى:
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ (سورة البقرة، 233)،
وقال سبحانه:
﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾ ( سورة الأنفال، 75).
وكذلك قوله تعالى:
(سورة محمد، آية 22){ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ }
وقد جاء في السنة النبوية الشريفة ما يفيد ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”.
وهي دلالات صريحة تُرسِّخ أن العلاقة بين الأب وأولاده قائمة على الوصل، والرعاية، والتكامل الذي يحفظ للأسرة تماسكها وترابطها.
غير أنّ الواقع القانوني جاء ليضع هذه العلاقة في إطارٍ تنظيميٍّ صارم، حيث أقرّ القضاء المصري — استنادًا إلى نصوص قانون الأحوال الشخصية — بحق كلٍّ من الأبوين في رؤية الصغير، على أن تُنظَّم هذه الرؤية قضائيًا عند الخلاف، بما لا يضرّ بالصغير نفسيًا. وقد حدّد المشرّع أماكن تنفيذ هذا الحق في نطاقاتٍ بعينها، كالأندية الاجتماعية، ومراكز الشباب، ودور رعاية الطفولة، والحدائق العامة، على أن تتوافر فيها الطمأنينة، وألا تُكبِّد أطراف النزاع مشقةً لا تُحتمل.
كما نظّم القانون إجراءات التنفيذ، فأوكلها إلى جهات مختصة، مع إمكانية الاستعانة بالقوة الجبرية عند الامتناع، فضلًا عن تقارير الإخصائيين الاجتماعيين التي تُرفع إلى المحكمة حال الإخلال بالتنفيذ.
غير أنّ المفارقة تظل قائمة: ففي الوقت الذي أحاط فيه القانون هذا الحق بكل هذه الإجراءات والتنظيمات، اختصره في ثلاث ساعاتٍ أسبوعيًا، تُمارَس في أوقاتٍ وأماكن محددة، وكأن العلاقة بين الأب وأبنائه لا يمكن احتواؤها إلا داخل إطارٍ زمنيٍّ ضيّق.
وهنا يُثارُ التساؤلُ من جديد: هل يكفي تنظيمٌ دقيق… إذا كان جوهره قاصرًا؟
فالقضية لم تعد في كيفية التنفيذ، ولا في تحديد المكان أو الزمان، بل في مدى كفاية هذا الحق أصلًا ليحفظ للأب مكانته في حياة أبنائه، وللأبناء حقهم في وجوده.

ومن هنا، لم يعد الاكتفاء بتوصيف المشكلة كافيًا، بل تفرض الضرورة طرحُ حلولٍ جادّة، والسعي إلى تعديل هذا القانون بما يضع مصلحة الأطفال في المقام الأول، ويُعيد التوازن إلى علاقةٍ لا تحتمل هذا القدر من الخلل النفسي. غير أنّ القانون — مهما أُحكِمَت صياغته — لن يحقق غايته ما لم يُصاحبه وعيٌ حقيقي لدى الدائرة المحيطة بالطفل؛ فالأمر لا يتوقف عند الأم أو الأب الحاضن فحسب، بل يمتدّ أثره إلى أمهات الزوجين — الجدّات — اللاتي قد يكنّ عنصرًا حاسمًا في توجيه مشاعر الطفل وتشكيل وعيه.
فحين تتدخّل هذه الد

Related posts

Leave a Comment