قانون التصالح وأحلام البسطاء: متاهة الروتين ولغز “الفرخة ولا البيضة

كتب-محمود ابومسلم 

منذ عام 2019، تعلقت قلوب ملايين المصريين بأمل طال انتظاره؛ أملٌ يتلخص في ورقة رسمية تثبت قانونية الجدران التي تأويهم، وتمنحهم الشعور بالأمان في منازل دفعوا فيها شقاء عمرهم جاء قانون التصالح في مخالفات البناء كطوق نجاة، سارع الجميع لالتقاطه، وباع البسطاء الغالي والنفيس لتسديد رسوم الجدية، متخيلين أن الحلم بات قاب قوسين أو أدنى. ولكن، ما لم يكن في الحسبان هو أن هذا الطوق سيتحول إلى متاهة روتينية لا نهاية لها بين الورقي والإلكتروني مواطن حائر في المنتصف بدأت الرحلة بأكوام من الملفات الورقية المكدسة في أدراج المحليات، طوابير طويلة، ورسوم هندسية، وأختام لا تنتهي ثم، ومع التوجه نحو الرقمنة، ظهر شبح “التقديم الإلكتروني” وبدلاً من أن يكون التحديث تيسيراً، تحول إلى عبء جديد على كاهل المواطن البسيط الذي لا يجيد التعامل مع التكنولوجيا، ليجد نفسه مطالباً بإعادة رفع مستندات ورقية سلمها بالفعل منذ سنوات، ليقف حائراً بين موظف يطلب “الورق”، ونظام آلي يردد عبارة “السيستم واقع” أو “الملف غير مكتمل”لغز نموذج 8 ونموذج 10.. “الفرخة الأول ولا البيضة؟”

وهنا نصل إلى العقدة الأكبر في هذه المسرحية العبثية؛ المسافة الفاصلة بين “نموذج 8” و”نموذج 10″لقد أصبح المواطن يمتلك “نموذج 8” الذي يثبت جديته ودفعه للرسوم ووقف الإجراءات القانونية ضده ، وهو ينتظر صدور “نموذج 10” الموافقة النهائية واعتبار المخالفة كأن لم تكن ولكن للحصول على نموذج 10، يجب أن تنزل اللجان، ولتنزل اللجان يجب أن تُستوفى اشتراطات معينة، وبعض هذه الاشتراطات تتطلب فتاوى من الوزارات، لتكتشف أنك تدور في حلقة مفرغة تشبه تماماً لغز “الفرخة الأول ولا البيضة!”.هل تنهي الدولة الإجراءات لتستقر أوضاع الناس وتُحصل باقي مستحقاتها؟

أم تنتظر استيفاء شروط يستحيل تطبيقها على أرض الواقع في القرى والعزب والمناطق العشوائية؟2019 – 2026: سبع سنوات من الانتظارأعوام تبدأ وتنتهي، من 2019 وحتى عامنا هذا 2026، والمواطن يقف في طابور الانتظار سبع سنوات من الترقب، وتعديلات القوانين، واللوائح التنفيذية التي تُصدر لتُعدل مرة أخرى. سبع سنوات وأعين البسطاء معلقة بـ “لجان الفتوى بالوزارات المختصة”، ننتظر تفسيراً لمادة، أو استثناءً لحالة، أو حلاً لعقدة الحيز العمراني المتناثر.لقد أثبت المواطن حسن نيته، ودفع ما طُلب منه من أموال، والتزم بالقانون، ولكن الروتين الحكومي وتضارب القرارات بين الجهات المعنية محليات، زراعة، إسكان، ري جعل من ملف التصالح حملاً ثقيلاً ينوء به الجميع.خاتمة.. هل من مجيب؟

إن الهدف الأسمى لقانون التصالح لم يكن يوماً مجرد الجباية، بل كان “السلام الاجتماعي” وتقنين الأوضاع وإغلاق هذا الملف الشائك للأبد. لا يصح أن تظل أحلام البسطاء في الاستقرار معلقة بخيط رفيع من البيروقراطية، ولا يعقل أن يتحول قانون جاء للرحمة إلى أداة للعذاب النفسي والاستنزاف اليوم، وبعد كل هذه السنوات، نرفع الصوت عالياً ونطالب بقرارات حاسمة ونافذة، تقطع دائرة الروتين، وتمنح “نموذج 10” لمن يستحق دون تعقيدات، وتنهي هذه المأساة التي طالت. نأمل الانتهاء من هذا الملف الشائك سريعاً.. فهل من مجيب؟

Related posts

Leave a Comment