بقلم الإعلامية رادا الجوهري
صاحبْ مَن يشبهك
ليست دعوةً إلى التعالي على الناس، ولا إلى الانغلاق داخل دائرة ضيقة من البشر، وإنما دعوةٌ إلى اختيار الرفقة التي تشبه قيمك وأحلامك وأهدافك. وأكرر قد يظن بعض الناس أن في هذا الكلام شيئًا من الاستعلاء على الآخرين، لكن المتأمل في ديننا الحنيف يدرك أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” أي من يصادق. ولم يكن المقصود بالدين هنا العقيدة وحدها، بل الطباع والأخلاق والعادات والأفكار، فالصاحب مرآة صاحبه.
والإنسان يكتسب من جلسائه أكثر مما يظن، فالصاحب ليس عابرًا في حياتنا، بل هو شريكٌ في تشكيل أفكارنا وعاداتنا وطريقة نظرتنا إلى الحياة، فالصداقة ليست مجرد وسيلة لقضاء الوقت، بل قوة خفية قادرة على أن ترفع الإنسان إلى آفاق النجاح أو تهوي به إلى منعطف خطير فتضيع أحلامه وتتبدد طموحاته وتذهب آماله أدراج الرياح.
وقديمًا قيل:
عنِ المرءِ لا تسألْ وسَلْ عن قرينِهِ
فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يقتدي.
قد يبدو هذا الكلام نظريًا للبعض، لكنَّ الحياة مليئةٌ بالشواهد التي تؤكده. ولعلَّ قصة ليلى، تلك المهندسة التي كانت على بُعد خطوات من المجد، قبل أن تتعثر بصحبةٍ لم تشبه طموحها، خيرُ مثالٍ على ذلك. فقد كانت شابةً متفوقةً لم تعرف في حياتها سوى الاجتهاد والعمل، حتى إنَّ أحد ابتكاراتها العلمية وضعها على أعتاب ترشيحٍ لجائزةٍ مرموقة. لكنَّها لم تكن تعلم أنَّ الخطر الذي عجز عنه المنافسون قد يتسلل إلى حياتها في صورة صديقة.
ومن هنا بدأت الحكاية. فقد عادت إلى حياة ليلى زميلةٌ قديمة ارتدت ثوب الصداقة، لكنها كانت تخفي وراء ابتسامتها غيرةً دفينة. كانت ليلى على بُعد خطوة واحدة من تحقيق الحلم الذي أفنت سنوات عمرها في سبيله، فهي مهندسة شابة، لامعة، وصاحبة اختراعٍ ابتكاريٍّ جعل اسمها يتردد في الأوساط العلمية، حتى بدأ البعض يتحدث عن إمكانية ترشيحها لإحدى أرفع الجوائز في الدولة. لكن ما لم تستطع المنافسة الشريفة أن تفعله، فعلته صحبةٌ خاطئة تسللت إلى حياتها بهدوء.
ولهذا قيل: “صاحبْ مَن يشبهك”، لا بمعنى أن تغلق أبوابك في وجه الناس، بل بمعنى أن تختار من يعينك على أن تكون نسخة أفضل من نفسك، لا نسخة أسوأ منها. عُرفت ليلى بين زملائها بالاجتهاد والابتكار. وبعد سنوات من البحث والعمل، نجحت في تطوير اختراعٍ مهم في مجال الطاقة النظيفة، حتى إنَّ كثيرين توقعوا أن يرشحها هذا الإنجاز لجائزة الدولة التقديرية. كانت حياتها منظمة، ووقتها موزعاً بين العمل والقراءة والتطوير الذاتي.
لكنَّ الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن.
في أحد الأيام عادت إلى حياتها زميلة قديمة تُدعى “سمر”. كانت سمر قد درست معها في الجامعة، لكنها لم تُكمل تعليمها، ولم تعرف في حياتها هدفاً واضحاً أو مشروعاً تسعى إليه. كانت تقضي معظم وقتها بين السهرات والخروج المتواصل وتتبع أخبار الناس والتعليق على حياتهم. وانطبق على ظهورها في حياتها ما يُقالُ في التراث العربي:
احذرْ عدوَّكَ مرَّةً، واحذرْ صديقَكَ ألفَ مرَّةٍ،
فلربَّما انقلبَ الصديقُ عدوًّا، فهو أعلمُ بالمضرَّةِ
في البداية ظنت ليلى أن الأمر مجرد صداقة عابرة، لكنها لم تنتبه إلى أن سمر كانت تحمل في داخلها غيرة دفينة من نجاحها وجمالها ومكانتها العلمية. بدأت تُثقل عليها بالمكالمات الطويلة، وتستنزف وقتها في أحاديث فارغة، وتسخر من الكتب التي تقرؤها، وتصف الاجتهاد بأنه “تعقيد للحياة”، وتزين لها إضاعة الوقت تحت شعار “الاستمتاع بالشباب”.
شيئاً فشيئاً بدأت ليلى تتغير. تأخرت بعض مشاريعها، وأصبحت أقل تركيزاً، وابتعدت عن الأصدقاء الذين كانوا يشجعونها على النجاح. ولم تكتفِ سمر بذلك، بل كانت كلما سمعت ثناءً على ليلى حاولت التقليل من شأنها أو التشكيك في قدراتها.
وتذكرت ليلى ذات يوم قصة “عبير” و”سهير” في فيلم “الحب وحده لا يكفي”. فقد كانت عبير فتاة متمسكة بقيمها ومبادئها، بينما كانت سهير ترى الحياة من زاوية مختلفة تماماً. لم تكن المشكلة أن سهير تختلف عنها فحسب، بل أنها أرادت أن تجعل عبير نسخةً منها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فبعض الناس لا يكتفون باختيار طريقهم، بل يصرون على أن يرى الآخرون الحياة بالعين التي يرونها بها، غير مدركين أن الإنسان، مهما بلغ من الحكمة ورجاحة العقل، قد يتأثر بمن يلازمهم، وقد ينزلق خطوةً تلو الأخرى إلى مساراتٍ لم يكن ليختارها لنفسه لولا تأثير الرفقة، حتى يجد نفسه بعيدًا عن أحلامه وقيمه التي طالما تمسك بها.
عندها أدركت ليلى أنَّ الصداقة ليست مجرد علاقةٍ عابرة، بل هي تأثيرٌ يمتد إلى الأفكار والقرارات ومسار الحياة بأكمله، فهناك من يأخذ بيدك إلى القمة، وهناك من يستنزف وقتك وطاقتك حتى تجد نفسك بعيدًا عن الطريق الذي رسمته لنفسك بل وقد تتخلى عن الأحلام التي كانت دَوْمًا تراودك. وهناك من يفرحون لنجاحك كأنه نجاحهم، وهناك من يرون في كل إنجاز لك تذكيرًا بفشلهم.
ولم تتخذ ليلى قرارها في لحظة غضب، ولم تدخل في خصومة مع سمر، بل جلست مع نفسها طويلًا تراجع ما حدث لها خلال الأشهر الماضية. أدركت أن أحاديث المقاهي التي كانت تستغرق الساعات لم تضف إلى حياتها شيئًا، وأن الوقت الذي كانت تمنحه لصديقتها كان يُقتطع من أحلامها ومشروعاتها. واكتشفت أن بعض الناس لا يسرقون أموالنا، بل يسرقون ما هو أثمن من المال؛ يسرقون الوقت والطاقة والتركيز، في حين أنهم يتمتعون بحياتهم على أكمل وجه ولا شيء يُعَكِّرُ صفوَها.
لذلك بدأت تبتعد عنها شيئًا فشيئًا، حتى جاء اليوم الذي واجهتها فيه بالحقيقة قائلة: “أنتِ لستِ شخصًا سيئًا، ولكن لكلٍّ منا طريقه”. ستجدين من يشبهك ويشاركك اهتماماتك، أما أنا فلي طريقٌ آخر، وأحلامٌ أخرى، وأناسٌ يشبهون ما أطمح إلى الوصول إليه.
ومنذ ذلك اليوم استعادت ليلى نفسها من جديد، وعادت إلى كتبها وأبحاثها ومشروعاتها. وعرفت أن النجاح
من جائزة الدولة إلى أحاديث المقاهي! قل لي من تصاحب أقل لك من أنت!
