الفراعنة يكتبون فصلًا جديدًا من أمجاد الكرة المصرية

بقلم الإعلامية رادا الجوهري
يوم 22 يونيو 2026 سيبقى تاريخًا محفورًا في ذاكرة المصريين، بعد انتصارٍ أعاد الأمل إلى القلوب، وأثبت أن الفراعنة حين يريدون لا يقف في طريقهم أحد. كانت ليلةً استثنائيةً بكل المقاييس؛ ليلةً التفَّ فيها المصريون حول منتخبهم، شبابًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، حتى من لم تكن كرة القدم في دائرة اهتماماتهم وجدوا أنفسهم أمام حدثٍ وطنيٍّ لا يمكن تجاهله. عاش المصريون يومًا استثنائيًا، يومًا طال انتظاره، وشاركهم العالم فرحتهم، لكنها كانت قبل كل شيء فرحة مصرية خالصة أعادت الأمل إلى كل مصري وأيقظت الحلم من جديد.
ولم تكن هذه الفرحة وليدة تسعين دقيقة فقط، بل كانت حصاد سنواتٍ من الانتظار والترقب والأحلام المؤجلة. فقد جاء هذا الانتصار ليعيد إلى الجماهير المصرية شعورًا افتقدته طويلًا؛ شعور الثقة بأن منتخبها قادر على مقارعة الكبار وكتابة التاريخ من جديد. ولم يكن المشهد في المدرجات أو أمام الشاشات مجرد متابعة لمباراة كرة قدم، بل كان تعبيرًا صادقًا عن عشق وطنٍ بأكمله لمنتخبه، وعن إيمان جماهيره بأن الفراعنة ما زالوا قادرين على صناعة المستحيل متى امتلكوا الإرادة والعزيمة.
وجاءت اللحظة المنتظرة، فحقق منتخب مصر فوزًا تاريخيًا بثلاثة أهداف مقابل هدف أمام نيوزيلندا، بعدما كان قد وجّه رسالةً قويةً للجميع بتعادله مع بلجيكا 1-1 في مباراةٍ رأى كثيرون أن الفراعنة كانوا الأقرب فيها إلى الفوز. وبين التعادل المشرف والانتصار المستحق، قدّم المنتخب عروضًا أعادت الثقة إلى الجماهير وأثبتت أن أبناء النيل يملكون من الشجاعة والقدرة ما يجعلهم ندًّا لأقوى المنتخبات.
وكان وراء هذا الإنجاز قائدٌ آمن به الجميع، هو الكابتن حسام حسن، الذي أثبت أن القيادة ليست أوامر تُعطى، بل ثقة تُزرع، وحبٌّ يُكتسب، واحترامٌ يُبنى من خلال المواقف. فقد نجح في أن يخلق حالةً فريدة من الانسجام بينه وبين لاعبيه، حتى بدا واضحًا للجميع حجم التقدير الذي يكنّه اللاعبون له، ومدى حرصهم على تنفيذ تعليماته وإسعاده، ليس خوفًا من العقاب، بل احترامًا لقائدٍ منحهم ثقته وآمن بقدراتهم.
لقد لعب المنتخب المصري بروحِ المقاتلين، وكأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يدافع عن حلمِ أمةٍ بأكملها، فكان الأداءُ ترجمةً حقيقيةً للإيمان بالوطن، وللرغبةِ الصادقةِ في إسعاد الجماهير التي ساندتهم وآزرتهم حتى اللحظة الأخيرة. وكان زيكو صاحبَ الشرارة الأولى التي أعادت الأمل إلى المدرجات والقلوب بإحرازه الهدفَ الأول، قبل أن يواصل نجومُ المنتخب ملحمتهم الكروية. وبرز محمد صلاح قائدًا وقدوةً حقيقيةً داخل المستطيل الأخضر، بل وضع بصمته الخاصة بتسجيل الهدف الثاني جسّد خبرته الكبيرة وروحه القيادية، مؤكدًا أنه لا يزال أحد أهم رموز الكرة المصرية وصاحب التأثير الأكبر في اللحظات الحاسمة. أما محمود حسن «تريزيجيه» فكان كعادته نموذجًا للعطاء والالتزام والروح القتالية، وأسهم بهدفه في تعزيز التفوق المصري وإسعاد الملايين من عشاق الفراعنة.
وفي الخلف وقف مصطفى شوبير شامخًا كالحارس الأمين، متصدّيًا لمحاولات المنافس وباعثًا للثقة والطمأنينة في نفوس زملائه والجماهير على حدٍّ سواء، ليؤكد من جديد صدق المقولة الشهيرة للمعلّق الرياضي أيمن الكاشف: «مفيش فريق بطل إلا بحارس بطل”. وقد أثبت شوبير أن الحارس المتميز لا يقل أهميةً عن هدّاف الفريق، بل قد يكون في كثيرٍ من الأحيان كلمةَ السر في الانتصارات الكبرى. وإذا كان اللاعبون قد أبدعوا في صناعة الأهداف، فإن شوبير أبدع في حماية التقدّم المصري وترجيح كفة الفراعنة حتى صافرة النهاية.
لكن المشهد لم يقتصر على ما قدّمه اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، بل امتدّ إلى المدرجات حيث كتب الجمهور المصري فصلًا آخر من فصول العشق والانتماء. فمنذ صافرة البداية وحتى النهاية، لم تتوقف الحناجر عن الهتاف، ولم تهدأ الأعلام المصرية وهي ترفرف في كل مكان، وكأن الملايين في الداخل والخارج كانوا قلبًا واحدًا ينبض باسم مصر. لقد أثبتت الجماهير المصرية مرةً أخرى أنها اللاعب رقم واحد، وأنها قادرة على بثّ الحماس والثقة في نفوس لاعبيها مهما كانت قوة المنافس أو حجم التحديات.
ولم يمرّ هذا الإنجاز مرور الكرام على وسائل الإعلام العالمية؛ فقد حظي الأداء المصري بإشادات واسعة، وتناقلت الصحف الدولية مشاهد الفرحة المصرية التي اجتاحت المدرجات والشوارع، مؤكدةً أن منتخب مصر قدّم واحدةً من أجمل قصص البطولة حتى الآن، وأن الروح التي ظهر بها اللاعبون والجماهير معًا كانت نموذجًا يُحتذى في الإصرار والإيمان بالقدرة على تحقيق المستحيل.
ولعلّ أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذا الإنجاز أن نتخلّص من تلك النظرة التي تُضخِّم كل ما هو أجنبي وتُقلِّل من قدراتنا نحن. فكم من مرةٍ أقنعنا أنفسنا بأن النجاح حكرٌ على الآخرين، وأن التفوق لا يأتي إلا من الخارج! غير أن ما فعله أبناء مصر على أرض الملعب أثبت أن المصري قادرٌ على المنافسة والإبداع والتميّز متى امتلك الثقة في نفسه، وتسلّح بالعلم والعمل والإرادة.
وهنا تبرز رسالةٌ أعمق من مجرد فوزٍ كروي؛ فكم عانينا طويلًا من تضخيم قدرات الآخرين والتقليل من إمكاناتنا، فيما يُعرف، بـ«عقدة الخواجة». غير أن ما قدّمه المنتخب المصري في هذه البطولة يثبت أن المصري لا يقل كفاءةً أو موهبةً أو قدرةً عن غيره، وأن الفارق الحقيقي يكمن في الثقة بالنفس والإيمان بالقدرات والعمل الجاد. لا نحتاج سوى أن نؤمن بأنفسنا كما ينبغي، وأن ندرك أن المصري حين يريد، لا يقف أمامه شيء فعندما آمن اللاعبون بأنفسهم، وواجهوا منافسيهم دون رهبة، استطاعوا أن يكتبوا صفحةً جديدةً من صفحات المجد.
ولم يكن هذا النجاح نتاج جهود اللاعبين وحدهم، بل كان أيضًا ثمرة قيادةٍ فنية مصرية خالصة أثبتت جدارتها وقدرتها على إدارة المباريات الكبرى والتعامل مع الضغوط والتحديات. وكان أجمل ما في المشهد أن حسام حسن لم يرَ في الفوز مجرد نتيجةٍ إيجا

Related posts

Leave a Comment