نذيرُ الخطرِ الأقصى: حينَ تصبحُ الأخلاقُ رُكاماً وتهدّدُ نارُ الفاحشةِ كيانَ الأمةِ

بقلم الكاتب الدكتور / عادل عبدالله علي عبده
لقد كان مجتمعنا، على مر العصور، منارةً للقيم والأخلاق، حصنًا منيعًا تكسرت على أسواره رياح الانحلال والفساد. لكن اليوم، وبينما نرى بأعيننا ما يدور حولنا، يرتفع سؤالٌ مُلحٌ ومؤرق: هل بدأت هذه الأسوار بالانهيار؟ هل فقدنا بوصلتنا الأخلاقية التي لطالما وجهت مسيرتنا كأمةٍ ذات عقيدةٍ وتراثٍ عريق؟

مظاهرُ الانحلالِ تفتكُ بالمجتمعِ: من الشارعِ إلى الشاشاتِ:

إنّ المشاهد التي باتت تتكرر في شوارعنا ومناسباتنا الاجتماعية، لهي مدعاةٌ للوقوف والتأمل، بل والتحرك بكل قوة وحزم. الفتيات، رمز العفة والحياء، بات بعضهن يرتدين ملابس لا تمت بصلةٍ إلى قيمنا وتقاليدنا؛ بناطيل شفافة أو ممزقة، ملابس كاشفة، وشعورٌ متكشفةٌ بشكلٍ لافتٍ، وعطورٌ نفاذةٌ تملأ الأجواء. والمؤسف أن هذا التجاوز لا يأتي غالبًا من فراغ، بل هو نتيجةٌ لتقليدٍ أعمى لموضاتٍ دخيلةٍ تروج لها منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو، تحت شعاراتٍ براقةٍ ومضللةٍ كـ “الحرية الشخصية” و”التطور” و”مواكبة العصر”. فتجد الفتاة تبرر لنفسها ارتداء هذه الملابس الفاضحة والتصرفات العشوائية بالقول إننا “في عصر متطور” و”أنتم راجعون ومتخلفون”، وكأن الحرية أصبحت مرادفًا للفوضى والتعدي على الحياء العام، وكأن التطور يعني التخلي عن قيمنا وأصالتنا. تجاوز الأمر حدود اللباس ليطال السلوك، فبات الرقص الفاضح في حفلات التخرج ووسط الشوارع العامة مشهدًا مألوفًا ومؤسفًا. نرى فتياتٍ يرقصن بشكلٍ مُبتذلٍ مع الشباب، مستخدمين الآلات الموسيقية، وتتجمهر حولهن الجموع لتصوير هذا الانحدار الأخلاقي.
وليس الشباب بمعزلٍ عن هذا الانحراف الظاهري؛ فبعضهم يرتدون بناطيل ممزقة تكشف عن عوراتٍ لا يصح إظهارها، وتدل على غياب للذوق العام والاحتشام، متنافسين في مظهرٍ لا يتوافق وقيمنا.
لم تقتصر مظاهر الانحلال على المناسبات الخاصة، بل امتدت لتصبح جزءاً من نسيج حياتنا اليومية في الأماكن العامة. فبات من المعتاد رؤية تجمعات للشباب على المصاطب وفي الطرقات، يتصيدون الفتيات بالمعاكسات البذيئة، والكلمات المخلة، والنظرات الجريئة، وكأن الشارع أصبح ساحةً لإبراز قلة الأدب وسقوط الحياء. وللأسف، فإن هذا الفساد ليس من طرف واحد؛ فكثير من الفتيات، حينما يرين شباباً يُعجبن بهم، لا يترددن في إرسال النظرات المغرية، أو حتى المبادرة بالحديث وتقديم أرقام الهواتف، لتتوالى بعدها خطوات الشيطان حتى الوقوع في ما لا تُحمد عقباه من علاقات محرمة ومدمرة.
والأكثر إيلامًا هو رؤية شباب وفتيات يجلسون معًا في أوضاعٍ تخدش الحياء العام، وتنافي كل مبادئنا الدينية والاجتماعية. وحتى بعد الخطوبة، نرى تصرفاتٍ وسلوكياتٍ بين المخطوبين وكأنهم أزواجٌ متزوجون، وكلامًا خارجًا عن اللياقة والأدب، متناسين أن عقد الزواج هو الذي يحل هذه الأمور في إطارها الشرعي.
ويزيد الطين بلة وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت نقمةً على الجميع، لا سيما الشباب والفتيات. فما كان مستوراً بالأمس، بات اليوم مكشوفاً بضغطة زر. سهولة التواصل عبر الشات والكاميرات المفتوحة، وإرسال الصور والفيديوهات الخليعة، والظهور بملابس فاضحة عبر البثوث المباشرة، كلها عوامل ساهمت في انهيارٍ سريعٍ للحياء والعفة. لقد أصبحت هذه المنصات مرتعاً خصباً للشهوات، ومنفذاً سهلاً لإقامة العلاقات المحرمة دون رقيب أو حسيب.
وفي ظل هذه البيئة المفتوحة، يضل الكثير من الشباب والفتيات في غفلة الشيطان، فيسرون في دروبٍ مظلمةٍ خطوةً بخطوةٍ، حتى يقعوا في مستنقع الرذيلة دون أن يشعروا بخطورة ما يرتكبون. تبدأ الأمور بالنظرة المحرمة عبر الشاشات، فالكلمة المعسولة في المحادثات، فالمقابلة السرية، ثم تتوالى الخطوات الشيطانية حتى يجدوا أنفسهم في جحيم. فالفتنة لا تقتصر على طرفٍ واحد، بل هي مسؤولية مشتركة، والوقوع في الرذيلة يبدأ بخطوات يزينها الشيطان لكل من يتبع هواه، سواء كان شابًا أو فتاة، وتسهلها تلك الوسائل الحديثة.
الأخطر من كل ذلك هو انتشار مشاهدة الأفلام الإباحية بين الشباب والفتيات، ما يؤدي إلى تآكل القيم وفساد الأخلاق، ويدفع إلى الرذيلة والانحراف.
وفي خضم هذه الفوضى الأخلاقية، تتجلى صورٌ أشد قسوة عندما نرى زوجاتٍ متزوجاتٍ يخُنّ أزواجهن، يدنسن قدسية الميثاق الغليظ الذي أخذنه على أنفسهن، متجاهلاتٍ تبعات هذا الفعل الشنيع على أسرهن وأطفالهن. كيف لامرأةٍ حملت لقب الزوجة والأم، أن تسقط في وحل الخيانة؟ هذه جريمةٌ أخلاقيةٌ تهز أركان الأسرة والمجتمع.

عواقبُ وخيمةٌ وتهديدٌ إلهيٌ: متى نفيق؟

إن ما نشهده اليوم هو انحلالٌ عام في الأخلاق، وكأننا أصبحنا بلادًا بلا عقيدةٍ تحكم السلوك، بلا تربيةٍ توجه الأجيال. لقد غابت التربية الصحيحة، وبات الكثيرون يتركون الحبل على الغارب، غير آبهين بما قد يترتب على هذا الإهمال من فسادٍ وانحرافٍ.
إنّ ديننا الإسلامي الحنيف قد وضع لنا منهجًا واضحًا للحياة، يحمينا من الزيغ والضلال، ويضمن لنا السعادة في الدنيا والآخرة. وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من عواقب الانحراف عن هذا المنهج القويم.
قال تعالى في كتابه العزيز:
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: 19).
* ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).
* ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية الشريفة:
* عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن” (متفق عليه).
إنّ الله سبحانه وتعالى لا يمهل العاصي إلى الأبد، وإنّ يوم الحساب آتٍ لا ريب فيه. فليخشَ هؤلاء الذين يجاهرون بالمعصية ويستبيحون المحرمات يومًا تُعرض فيه الصحف، وتشهد فيه الألسنة والأيدي والأرجل على ما اقترفته. إن العذاب شديدٌ لمن خالف أمر ربه وتجاوز حدوده، ومن ظنّ أن الدنيا ستبقى له، فهو واهمٌ.
دعوةٌ للصحوةِ الشاملةِ: إلى اللهِ فالمآب، ومن الآباءِ والأمهاتِ تبدأُ خطى العودة
إننا اليوم أمام مفترق طرقٍ حاسمٍ؛ إما أن نعود إلى صوابنا، ونتمسك بقيمنا وأخلاقنا التي هي أساس قوتنا وصلاح مجتمعاتنا، وإما أن نغرق في مستنقع الانحلال الذي لا نهاية له. إنّ باب التوبة مفتوحٌ، وباب العودة إلى الله سبحانه وتعالى واسعٌ، فليتب كل من عصى، وليستغفر كل من أخطأ، وليعد كل من ضل إلى طريق الهداية.
ويا آباءنا، ويا أمهاتنا، إنّ أبناءكم أمانةٌ عظيمةٌ في أعناقكم، ستُسألون عنها يوم القيامة. إنّكم مسؤولون عن تربيتهم تربيةً صالحةً، وغرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوسهم. أين دوركم في التوجيه والتعليم الذي يحصّن النشء من آفات المجتمع؟ لا تتركوا أبناءكم فريسةً لتيارات الانحلال، ولا تتغافلوا عن تصرفاتهم وسلوكياتهم. كونوا قدوةً حسنةً لهم، ووجهوهم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، ولا تترددوا في الأخذ على أيديهم بالحزم.
إنّكم مسؤولون عن حصانتهم من آفة الإباحية وعن حمايتهم من التقليد الأعمى لكل ما هو غريب عن قيمنا وديننا، خاصةً ما يُسوق تحت مسميات الحرية والتطور الزائفة التي تدفع بناتنا لارتداء الملابس الخليعة والتصرفات المبتذلة. تذكروا دائمًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته”. تذكروا أن غفلتكم قد تكون سببًا في انحراف أبنائكم، وأن إهمالكم اليوم سيتحول إلى حسرةٍ وندمٍ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. فكونوا على قدر المسؤولية، واتقوا الله فيمن ائتمنكم عليهم. لا تدعوا الدنيا تلهيكم عن واجبكم الأسمى، فالمسؤولية عظيمة والحساب شديد.
علينا جميعًا، أفرادًا ومؤسساتٍ، أن نتحمل مسؤوليتنا. يجب على الإعلام أن يضطلع بدوره في نشر الوعي، وعلى المدارس والجامعات أن تعزز القيم الأخلاقية، وعلى الأسر أن تكون الحصن الأول الذي يحمي الأبناء. إنّ استعادة بوصلتنا الأخلاقية تتطلب جهدًا جماعيًا، وتصميمًا لا يلين على التغيير نحو الأفضل.
ألم يأن الأوان لنا أن نفيق؟ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: 16). إنها دعوةٌ إلهيةٌ صريحةٌ لنا جميعًا، لكي تلين قلوبنا وتخشع لذكر الله وكلامه الحق. فهل نفيق من غفلتنا قبل فوات الأوان؟ هل ندرك عظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا؟ إنّ مستقبل أمتنا ومجتمعاتنا مرهونٌ بمدى تمسكنا بقيمنا الأصيلة، وعودتنا الصادقة إلى ديننا الحنيف.

Related posts

Leave a Comment