متابعينا الاكارم اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
منذ أن وصفت بريطانيا، عبر وزير خارجيتها، ما يجري في غزة بأنه “فضيحة أخلاقية” و”كارثة من صنع الإنسان”، بدا وكأن لندن قد فتحت باباً جديداً في خطابها تجاه إسرائيل.. لغة الإدانة هذه، القادمة من حليف تاريخي لإسرائيل، لم تعد تقتصر على عبارات القلق أو الدعوة إلى ضبط النفس، بل وصلت إلى تحميل تل أبيب المسؤولية المباشرة عن المجاعة التي تعصف بالقطاع، غير أن هذه الصياغة الأخلاقية، على قوتها، تكشف في الوقت ذاته تناقضاً عميقاً في الموقف البريطاني: فمن الذي زرع أصلاً إسرائيل في قلب المنطقة، ومن الذي منحها منذ البداية الشرعية والغطاء الدولي؟. الحقيقة التاريخية لا يمكن لأي مراقب منصف أن يغفل حقيقة أن بريطانيا نفسها كانت صاحبة الدور المركزي في إنشاء الكيان الإسرائيلي، فـ”وعد بلفور” الصادر عام 1917 لم يكن مجرد بيان سياسي عابر، بل كان الوثيقة التأسيسية التي منحت اليهود “وطناً قومياً” في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني، ثم جاءت مرحلة الانتداب البريطاني (1920–1948) لتفتح الأبواب أمام الهجرة اليهودية المنظمة، وتؤسس للهياكل الإدارية والعسكرية التي مهدت لقيام دولة إسرائيل. بمعنى آخر، ما نراه اليوم من مآسٍ إنسانية في غزة والضفة الغربية ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار تاريخي زرعته بريطانيا بقرارها الاستعماري، ثم تخلت عنه تاركةً المنطقة في دوامة صراع لا ينتهي، ومن هنا، فإن لندن ليست مجرد “مراقب قلق” أو “مدين أخلاقي”، بل هي شريك أصيل في صناعة جذور الأزمة. الفعل العملى وعلى الرغم من هذا الإرث التاريخي، تكتفي بريطانيا اليوم بتوصيف الوضع في غزة بأبشع العبارات، دون أن تتجاوز ذلك إلى الفعل العملي، تمتلك لندن ترسانة من وسائل الضغط على إسرائيل، بإمكانها أن تتحرك داخل مجلس الأمن لاستصدار قرارات ملزمة، وبإمكانها أن تفرض قيودًا على التجارة أو تعلق اتفاقيات التعاون العسكري والتكنولوجي، ولديها القدرة على وقف تراخيص تصدير الأسلحة التي تستخدم في العمليات العسكرية ضد المدنيين. لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل اكتفت بريطانيا بالتنديد العلني، وهو ما يعكس رغبتها في إرضاء الرأي العام المحلي والعالمي، دون التضحية بتحالفها الاستراتيجي العميق مع الولايات المتحدة أو بمصالحها العسكرية والاستخباراتية مع إسرائيل، من هنا يظهر الموقف البريطاني في صورة مزدوجة: فمن جهة، تدين المجاعة بصوت مرتفع، وتصفها بأنها “فضيحة أخلاقية”، ومن جهة أخرى تتوقف عند حدود الكلام دون أي فعل ملموس.. إنها محاولة للظهور بمظهر المدافع عن القيم الإنسانية، وفي الوقت ذاته البقاء داخل المظلة الغربية التي توفر الحماية السياسية والعسكرية لإسرائيل. إقرار علنى هذا التناقض يضع لندن أمام مسؤوليتين: الأولى أخلاقية، باعتبارها قوة كبرى تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان. والثانية تاريخية، لأنها هي التي زرعت إسرائيل أصلًا في المنطقة، وحملت على عاتقها مشروع تقسيم فلسطين منذ بدايات القرن العشرين. وبالتالي، فإن أي خطاب بريطاني عن “الفضائح الأخلاقية” يبقى منقوصًا إذا لم يقترن بإقرار علني بدورها الأصلي في صناعة هذا الصراع. إن مأساة غزة اليوم ليست فقط “فضيحة أخلاقية” بل هي أيضاً انعكاس لسياسات استعمارية قديمة.. بريطانيا التي خلقت الأرضية لقيام إسرائيل، ووفرت لها الشرعية السياسية والقانونية، تتحمل اليوم جزءاً من وزر النتائج الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون، وبدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الرنانة، فإن لندن مطالبة بمراجعة موقفها جذرياً: عبر الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية، وممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لوقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية، والتوجه نحو تسوية عادلة تعيد للفلسطينيين حقهم المغتصب منذ أكثر من قرن. تتصرف بريطانيا بمزيج فج من النفاق السياسي والازدواجية الأخلاقية، فهي ترفع شعارات حماية المدنيين وحقوق الإنسان بينما تمد إسرائيل بالدعم السياسي والدبلوماسي. حتى ذلك الحين، ستظل بريطانيا عالقة بين خطاب أخلاقي مرتفع، وواقع عملي يكرس عجزها أو عدم رغبتها في مواجهة إسرائيل بجدية، وهو الموقف المزدوج الذي يفضح تناقضها الأكبر: دولة زرعت الأزمة في الماضي، وتدين ثمارها اليوم بالكلمات فقط.