الان ندخل المرحلة الثانية من اتفاق غزة، بعد وصول آخر جثمان لإسرائيل، ذلك الجثمان الذي استخدمه نتنياهو كعقبة لتعطيل الاتفاق، ندخل المرحلة الثانية تلك التي تضع السلاح قبل الإعمار على طاولة التفاوض، وهنا نسأل هل تموت حماس بدون سلاح؟ يبدو السؤال كأنه فخ لغوي وسياسي في آن، هل تنتهي حركة حماس إذا تم نزع سلاحها؟ وهل يعني نزع السلاح نهاية مقاومة حماس وبداية مرحلة جديدة؟.
السؤال في ظاهره بسيط، لكنه في جوهره معقد، لأنه يفترض ــ خطأً ــ أن المقاومة تختزل في البندقية، وأن السلاح هو روح الفكرة لا أداتها.
هذا الافتراض طالما روجته قوى عديدة وأولهم الاحتلال لأنه ببساطة يريد تجريد خصمه من أدوات الضغط، كما يروجه بعض الوسطاء لأنهم يبحثون عن حل تقني سريع، بل وأحيانًا بعض أنصار المقاومة أنفسهم حين يربطون الوجود بالفعل العسكري وحده.
لكن التاريخ، الفلسطيني وغير الفلسطيني، يقول شيئًا آخر، حماس قبل أن تكون فصائل وسلاحًا، هي حركة سياسية واجتماعية ودينية تشكلت في بيئة قهر طويلة، التنظيم قد يضعف، يتراجع، يعيد التموضع، لكنه لا يختفي، الاحتلال باق والاستيطان باق، والتمييز باق، والذاكرة باقية، وفي مثل هذه البيئات، لا تموت الحركات بل تتغير أشكالها.
المقاومة في معناها العميق لا أشكالها المختلفة، ليست فعل إطلاق نار بل فعل رفض، رفض الظلم والإذعان، رفض تحويل الإنسان إلى رقم في سجلات الإغاثة، السلاح أحد أشكال هذا الرفض لكنه ليس الشكل الوحيد، ولا حتى الشكل الأهم دائمًا، المقاومة قد تكون تنظيم مجتمع أو تعليم طفل، والأهم في المقاومة هو حماية الهوية، المقاومة من الممكن لها أن تكون بناء اقتصاد وصمود، أو حتى مجرد البقاء وعدم الرحيل، من يختزلها في الرصاصة يظلمها ويعطي خصومها ذريعة سهلة.
في التجربة الفلسطينية نفسها، لم يكن الكفاح المسلح هو الشكل الوحيد ولا الدائم.. الانتفاضة الأولى، التي أرّقت إسرائيل أكثر من كثير من الحروب، كانت انتفاضة حجارة، ولجان شعبية، وعصيان مدني، واقتصاد ظلّ، كانت مقاومة بلا صواريخ، لكنها هزت صورة الاحتلال أخلاقيًا وسياسيًا، وهذا درس غالبًا ما يُنسى حين يُختزل النقاش في “سلاح أو لا سلاح”.
ثم إن السلاح حين يُستخدم لا يكون هدفًا في ذاته، الأولوية الأخلاقية لأي مقاومة حقيقية هي حماية الشعب، لا تعريضه للإبادة، هذه ليست دعوة للاستسلام، بل استعادة لمعنى المقاومة نفسه، حين يتحول السلاح من أداة ردع إلى عبء وجودي على الناس، يصبح النقاش مشروعًا، لا خيانة، السؤال ليس هل نقاوم؟ بل كيف نقاوم؟ وبأي كلفة؟ ولصالح من؟.
نزع السلاح، أو ضبطه، أو إعادة تعريف دوره، لا يعني بالضرورة نهاية حركة أو فكرة، قد يعني انتقالها من مرحلة إلى أخرى، حركات تحرر كثيرة مرت بهذه اللحظة بعضها دخل السياسة، بعضها أعاد بناء نفسه اجتماعيًا، وبعضها انقسم، لكن ما لم يحدث في أي تجربة هو أن نزع السلاح صنع سلامًا تلقائيًا مع تيارات تشدد راسخة.
وهنا نصل إلى جوهر الوهم الأكبر الاعتقاد بأن نزع سلاح حماس سيقود إلى سلام مع إسرائيل، أي إسرائيل؟ إسرائيل اليمين المتطرف الذي لا يعترف أصلًا بحق الفلسطيني في دولة أو سيادة؟ إسرائيل التي توسّع الاستيطان في الضفة حيث لا وجود لحماس أصلًا؟ إسرائيل التي ترى في أي كيان فلسطيني، مسلح أو أعزل، تهديدًا ديمغرافيًا وأمنيًا؟
التشدد لا يتغذى على سلاح خصمه فقط، بل على أيديولوجيا ترى الصراع صفريًا. كما أن لدى حماس خطابًا دينيًا متشددًا، لدى اليمين الإسرائيلي خطاب توراتي وقومي لا يقل تطرفًا، نزع السلاح من طرف واحد لا يغيّر هذه البنية الذهنية، بل قد يشجعها على مزيد من الغطرسة. المرحلة الثانية من اتفاق غزة تضع الفلسطينيين أمام اختبار صعب: كيف نعيد الإعمار دون أن نعيد إنتاج الهشاشة؟ كيف نبني بيوتًا لا تقصف بعد سنوات؟ وكيف نُدخل السلاح ــ أو غيابه ــ في معادلة سياسية شاملة، لا كشرط عقابي؟
الإعمار الحقيقي ليس إسمنتًا وحديدًا فقط، بل إعادة بناء الإنسان، والثقة، والمؤسسات.
لذلك نجد ان السؤال الأهم ليس مصير حماس، بل مصير غزة وفلسطين، هل نريد مقاومة تحمي الناس أم ناسًا يُضحّى بهم باسم المقاومة؟ وهل نريد سلامًا حقيقيًا أم هدنة طويلة لإعادة إنتاج العنف؟.
ما بعد الحرب ليس أقل خطورة من الحرب نفسها، وفي هذه اللحظة، يصبح التفكير النقدي فعل مقاومة بحد ذاته. مقاومة الاختزال، مقاومة الشعارات الجاهزة، ومقاومة الوهم القائل إن نزع السلاح وحده يمكن أن يصنع سلامًا في أرض لم تُنزع منها جذور الظلم بعد.
المقاومة أوسع من البندقية، والسلام أعمق من اتفاق، وما بينهما يعيش شعب يبحث عن حياة لا تُؤجَّل إلى الجولةالقادمة من الخراب.