كتبت: الدكتورة هدير إبراهيم محمد
استشاري العلاقات الأسرية والزواجية وتعديل السلوك – لايف كوتش معتمد دوليًا
في بحثٍ غاية في الأهمية في مجال الإرشاد الأسري، تؤكد الدكتورة هدير إبراهيم محمد أنها اكتشفت حقيقة قد تبدو صادمة للبعض، لكنها واقعية إلى حدٍ كبير: معظم الزيجات التي تقترب من الانهيار لم تكن تخلو من الحب… لكنها كانت تخلو من الوعي.
فكثير من الأزواج يدخلون الحياة الزوجية وهم يعتقدون أن المشاعر وحدها كافية لاستمرار العلاقة، وأن الحب قادر بمفرده على تجاوز كل الخلافات. لكن الحقيقة التي تكشفها التجارب اليومية أن المشاعر بدون إدارة تتحول إلى اندفاع، والغيرة بدون وعي تتحول إلى شك، والصمت بدون فهم يتحول إلى فجوة عاطفية عميقة.
المشكلة ليست في أننا نغضب، فالغضب شعور إنساني طبيعي،
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي نغضب بها.
وليست الأزمة في الاختلاف بين الزوجين، بل في أن يتحول هذا الاختلاف إلى صراع، وكأن الطرفين أعداء، لا شريكان في مركب واحدة تسير بهما في رحلة الحياة.
ومن أرقّ المواقف التي تجسد عمق فهم المشاعر في الحياة الزوجية ما رُوي عن سيدنا محمد ﷺ مع زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها.
فقد كان النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه، فأرسلت إحدى زوجاته إناءً فيه طعام كان يحبه. وبدافع الغيرة، أخذت السيدة عائشة الإناء فسقط منها وانكسر أمام الصحابة.
كان موقفًا قد يسبب حرجًا شديدًا لأي زوجين، خاصة أمام الضيوف، لكن رد فعل النبي ﷺ كان درسًا خالدًا في الاحتواء وفهم المشاعر.
فلم يوبّخها، ولم يحرجها، بل ابتسم بهدوء وقال للصحابة:
“غارت أمكم.”
ثم جمع الطعام بهدوء وتعامل مع الموقف بلطف واحترام.
لم يكن ذلك مجرد تصرف عابر، بل رسالة إنسانية عميقة في إدارة العلاقات، مفادها أن المشاعر يجب أن تُراعى حتى في لحظات الخطأ، وأن الاحتواء أقوى كثيرًا من اللوم والتوبيخ.
في هذا الموقف نرى كيف يمكن للحكمة والهدوء أن يحفظا كرامة الطرف الآخر، وأن يحوّلا لحظة توتر إلى موقف إنساني نبيل.
إن الذكاء العاطفي داخل الزواج ليس رفاهية نفسية، بل مهارة بقاء.
هو أن يتحكم الإنسان في انفعاله قبل أن يتحكم الانفعال في بيته.
وأن يختار كلماته وهو غاضب كما يختارها وهو هادئ.
وأن يدرك أن الاعتذار لا يُسقط الهيبة، بل يرفعها ويُعلي من قدر صاحبه.
وتوجه الدكتورة هدير إبراهيم محمد رسالة لكل زوجين قائلة:
لا تجعلوا كل نقاش معركة لإثبات من الأقوى.
اسأل نفسك قبل أن تتكلم:
هل أريد أن أنتصر في النقاش؟
أم أريد أن تستمر علاقتي وتبقى حياتي مستقرة؟
فالزواج في جوهره مساحة أمان ورحمة،
ومن لا يتعلم إدارة مشاعره بحكمة… قد يحول بيته دون أن يشعر إلى ساحة صراع.
الحب بداية جميلة لأي علاقة،
لكن الوعي هو الذي يحافظ على هذه البداية ويمنحها القدرة على الاستمرار
الحب وحده لا يكفي… الوعي هو طوق النجاة للحياة الزوجية
