كتب-محمود ابومسلم
في زوايا الإنترنت المظلمة، وعبر مقاطع فيديو تجتذب ملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، تتبلور سردية غريبة ومثيرة للرعب “المسيح الدجال لن يخرج راجلاً كما تخيلنا، بل سيعبر إلى عالمنا من خلال “بوابة نجمية”سرية تقع في مدينة أصفهان الإيرانية” هذا المزج العجيب بين المرويات الدينية الإسلامية الراسخة حول علامات الساعة الكبرى، وبين مفاهيم الفيزياء الفلكية ونظريات المؤامرة المستوحاة من أفلام هوليوود، دفعنا في هذا التحقيق للغوص وراء هذه الادعاءات، لتفكيكها، وفهم كيف تم ربط “أصفهان” بـ “البوابات النجمية”، وما هو الرأي الديني والعلمي والاجتماعي في هذه الظاهرة المحور الأول “أصفهان ” في الميزان الديني ماذا يقول النص؟تبدأ القصة من حقيقة دينية ثابتة في العقيدة الإسلامية للوقوف على أصل الحكاية، توجهنا إلى النصوص النبوية الصحيحة يقول الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ” أصبهان هي التسمية القديمة لمدينة أصفهان الحالية في إيران، والطيالسة هي أكسية غليظة مخططة يوضح لنا الأمر العلماء “النص الديني والواضح والصريح، أصفهان هي مكان لتجمع أتباع الدجال عند خروجه، وليست بالضرورة مكان ولادته أو نقطة انطلاقه الأولى، إذ تشير أحاديث أخرى إلى خروجه من خَلّة طريق بين الشام والعراق، وأخرى تشير إلى إقليم خراسان المهم هنا أن النصوص النبوية تحدثت عن حقائق جغرافية وبشرية، ولم تتطرق من قريب أو بعيد إلى تقنيات خارقة للطبيعة أو بوابات عبور بين الأبعاد” ويضيف علماء الامة محذرين “إقحام مفاهيم مثل “البوابات النجمية” في الغيبيات وعلامات الساعة هو نوع من التقول على الله بغير علم، ومحاولة ليّ أعناق النصوص لتوافق أهواء ونظريات حديثة لا أصل لها في الشرع”.المحور الثاني: أسطورة “البوابة النجمية” (Stargate)ما هي البوابة النجمية أصلاً؟
في الفيزياء النظرية، يوجد مفهوم يُعرف بـ “ثقب دودي” (Wormhole) أو “جسر أينشتاين-روزن”، وهو ممر نظري يربط بين نقطتين منفصلتين في الزمكان أما “البوابة النجمية”، فهي مصطلح برز في الخيال العلمي تحديداً” فيلم ومسلسل Stargate” الشهير، يصف جهازاً أثرياً أو تكنولوجياً متطوراً يسمح بالانتقال الآني بين الكواكب والمجرات انتقلت الفكرة من شاشات السينما إلى منتديات “الإنترنت المظلم” ونظريات المؤامرة ففي العقد الماضي، راجت شائعات عن وجود بوابات نجمية في العراق قيل إن غزو العراق كان للسيطرة عليها ، وفي خليج عدن حيث سُجلت دوامات بحرية غريبة فُسرت بأنها بوابات واليوم، يتجه البوصلة نحو إيران.د. سارة أستاذة الفيزياء الفلكية تعلق على هذا الجانب العلمي “من منظور علمي بحت، الثقوب الدودية ممكنة رياضياً وفقاً للنسبية العامة، لكن لكي تكون مستقرة وقابلة للعبور، فإنها تتطلب طاقة سلبية أو مادة غريبة لم يثبت وجودها في الكون حتى الآن أما فكرة وجود جهاز أو منشأة على الأرض تفتح بوابة لكيانات من أبعاد أخرى، فهو محض هراء علمي وخيال خصب لا يمت لفيزياء الواقع بصلة أي طاقة لازمة لفتح بوابة كهذه ستكون من الضخامة بحيث تدمر الكوكب بأسره” المحور الثالث: نقطة التقاطع.. كيف ارتبط الدجال بالبوابة؟
إذا كان الدين لا يذكر البوابة، والعلم ينفي وجودها، فكيف اندمجت السرديتان؟
يكشف بحثنا الاستقصائي في آليات عمل وسائل التواصل الاجتماعي خاصة “يوتيوب وتيك توك” أن هذه النظرية بدأت تتبلور لعدة أسباب:البرنامج النووي الإيراني والمنشآت تحت الأرض: امتلاك إيران لمنشآت نووية وعسكرية ضخمة ومحصنة تحت الأرض مثل منشأة نطنز وأصفهان وفر بيئة خصبة لنسج القصص المروجون للمؤامرة زعموا أن هذه المنشآت ليست لتخصيب اليورانيوم، بل لتوليد الطاقة اللازمة لفتح “بوابة أصفهان النجمية” الغموض الجيوسياسي: حالة التوتر الدائم حول إيران تجعلها مسرحاً جاذباً لنظريات المؤامرة العالمية.تجارب “سيرن” (CERN): ارتباط هذه النظرية بالشائعات القديمة حول مصادم الهادرونات الكبير في سويسرا، حيث ادعى البعض أن العلماء يحاولون فتح بوابة لـ “الشياطين” أو “المسيح الدجال” مروجو نظرية أصفهان يقولون إن تقنية سيرن نُقلت أو طُورت هناك خوارزميات “الإثارة” المزج بين “رعب نهاية العالم الدينى” و”غموض الخيال العلمي العالي” يخلق محتوى سريع الانتشار (Viral)، يدر أرباحاً طائلة على صانعي المحتوى من خلال المشاهدات، بغض النظر عن مصداقيته التحليل الاجتماعي والنفسي
لماذا نصدق ذلك؟
أخذنا هذه الظاهرة إلى د. محمود أستاذ علم الاجتماع السياسي، الذي فسر انتشار هذه النظريات قائلاً:”نحن نعيش في عصر السيولة المعلوماتية وعصر الأزمات المتلاحقة عندما يشعر الإنسان بضغوط الحروب، الأوبئة، والانهيارات الاقتصادية، فإنه يميل لا شعورياً إلى تفسيرات نهاية العالم (Eschatology) العقل البشري يميل للأسطورة لتفسير الواقع المعقد” ويضيف: “ما يحدث هنا هو علمنة للغيبيات أو عصرنة للأسطورة الجيل الجديد الذي نشأ على أفلام مارفل (Marvel) والخيال العلمي، يجد صعوبة في تخيل الدجال كشخص عادي يركب حماراً كما في التراث الشعبي القديم، لذا يقوم عقله الجمعي بإعادة إنتاج القصة بصيغة حداثية تناسب عصره الدجال كيان عابر للأبعاد، يأتي عبر بوابة نجمية كهرومغناطيسية هذا يمنح القصة جرعة رعب وواقعية تتناسب مع التكنولوجيا الحديثة” الخلاصة بعد تتبع خيوط هذه القصة المعقدة، يتضح أن زعم “خروج الدجال من بوابة نجمية في أصفهان” هو خليط مصطنع إنه بمثابة “وجبة سريعة” تم إعدادها في مطابخ وسائل التواصل الاجتماعي، حيث صُهرت الأحاديث النبوية الصحيحة التي تربط أصفهان بأتباع الدجال مع مفاهيم خيال علمي بحتة، وتم تتبيلها بالتوترات الجيوسياسية الحالية والبرنامج النووي السري لقد حذرت الأديان من فتنة المسيح الدجال باعتبارها أعظم فتن الأرض، وأمرت بالاعتصام باليقين والعلم وبينما تبقى أصفهان مدينة ذات ثقل تاريخي وجغرافي مذكور في نصوص الملاحم، إلا أن “البوابات النجمية” تبقى في مكانها الطبيعي
شاشات السينما وعقول الباحثين عن نسب المشاهدة العالية المصادر المرجعية صحيح الإمام مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة دوريات علمية في الفيزياء الفلكية حول نظريات جسر أينشتاين-روزن دراسات سوسيولوجية حول انتشار نظريات المؤامرة في العصر الرقمي.
