المجتمع بين الانهيار و”القوارير المكسورة”.. أزمة رجولة أم أزمة وعي؟

كتبت: هنــــــاء الجــــــزار
سؤال عميق يفرض نفسه في قلب النقاش حول أزمة الرجولة في مجتمعاتنا اليوم:
لو طُلب من كل امرأة أن تصف “الرجل الحقيقي” في حياتها بكلمة أو موقف… من هو؟
الأب، الأخ، الزوج، الابن، العم، الخال، القريب أو حتى زميل العمل…
من منهم كان سندًا حقيقيًا وقت الأزمة دون إذلال أو استغلال أو كسر للكرامة؟
ومن هنا يبدأ السؤال الأهم:
ما الصفة التي إذا توافرت في الرجل، لن ينهار المجتمع من وجهة نظرك؟
ومن هو ذلك “القوام” الذي يحمي دون إهانة، ويسند دون أن يكسر، ويمنح الأمان النفسي الحقيقي الذي تصان به الكرامة؟
أسئلة كثيرة تفتح بابًا واسعًا على واقع اجتماعي معقد، يختلط فيه الغياب بالحضور، والقوة بالضعف، والمسؤولية بالتخلي.
“استوصوا بالنساء خيرًا”.. وصية نبوية غائبة
يؤكد الخطاب الإنساني والديني أن معيار الرجولة الحقيقي لا يقاس بالقوة الشكلية، بل بالرحمة والمسؤولية والعدل، فقد قال رسول الله ﷺ:
“استوصوا بالنساء خيرًا”،
وفي المعنى: ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم.
لكن الواقع يكشف في كثير من الحالات عن غياب هذا المفهوم، ليصبح الرجل الحقيقي هو من يحمل معنى الحماية لا القسوة، والستر لا الفضح، والدعم لا الاستغلال.
نماذج الرجولة التي تحفظ المجتمع
الرجل الحقيقي ليس شعارًا، بل أدوارًا ومسؤوليات:
أبٌ سند: يحتضن ابنته مهما كانت ظروفها، مطلقة أو أرملة أو متأخرة في الزواج، دون أن يشعرها بأنها عبء، بل درع أمان أول يعلّمها معنى الدين والاحتواء والستر بلا شروط.
أخٌ حامٍ: لا يكسر أخته ولا يخذلها، بل يقف بجانبها في الابتلاءات، يحفظ كرامتها، يسأل عنها، ويدافع عنها، ويظل بابُه مفتوحًا لها بعد رحيل الأب، ليكون امتدادًا للأمان لا مصدرًا للألم.
زوجٌ شريك: يقوم بدوره كراعٍ وسند، يشارك زوجته مسؤولية بناء أسرة متماسكة، لا يكسر “السكن” الذي جعله الله بين الزوجين، بل يحفظه ويعزز استقراره.
عم أو خال مسؤول: لا يتخلى عن بنات العائلة بعد فقدان الأب، بل يكون دعمًا حقيقيًا في التربية والحماية والاحتواء.
ابن بار: يتحول إلى سند لأمه بعد وفاة الأب، فيجبر كسرها ويكون عونها في الحياة.
حين يتحول غياب القوامة إلى أزمة مجتمع
أين الرجال الذين يتحملون المواقف ويصونون الأمانات؟
وأين الأخلاق حين يغيب الإحساس بالمسؤولية؟
أسئلة تعكس واقعًا مؤلمًا في بعض البيوت، حيث تغيب القوامة الحقيقية، ويحل محلها الضعف أو القسوة أو اللامبالاة.
وتتحدث الأصوات عن “ذكورة بيولوجية” بلا مسؤولية أو رحمة، حيث يُستبدل الستر بالفضح، والحماية بالأذى، والدعم بالخذلان.
جرح أعمق.. قذف الأعراض وانهيار القيم
ومن أخطر صور هذا الانهيار، التعدي على الأعراض بالباطل، وهو من الكبائر التي شدد عليها الدين، حيث جعل قذف المحصنات من السبع الموبقات.
وهو ما يعكس خطورة انهيار القيم، لأن المساس بالكرامة ليس مجرد خطأ فردي، بل جرح مباشر في بنية المجتمع كله.
أزمة تربية أم غياب قدوة؟
تطرح الأزمة سؤالًا أكبر: كيف وصلنا إلى هنا؟
الإجابة قد تتشابك بين:
تربية غير متوازنة
غياب القدوة
ضعف الوازع الديني
وتأخر تطبيق القيم والعدالة
وصمت اجتماعي عن الأخطاء
حتى أصبح الصوت العالي للخطأ أحيانًا يغطي على صوت الحق، ويغيب النموذج السوي وسط ضجيج السلوكيات السلبية.
المجتمع الذي “يأكل ويشرب” بلا رسالة
تحذر الفكرة من مجتمع يتحول فيه الإنسان إلى كيان بلا هدف، منشغل بالمادة والمظاهر، بعيدًا عن رسالته الحقيقية في عمارة الأرض وتحمل الأمانة.
فالرجولة ليست قسوة، بل مسؤولية، وليست سيطرة، بل رحمة وعدل.
“وما كان ربك نسيا”
تذكير إيماني عميق بأن الحقوق لا تضيع، وأن كل كسر للقلوب وكل ظلم سيقف صاحبه أمام ميزان العدل يوم القيامة، حيث لا وساطة ولا مبررات.
“ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا”
رسالة أخيرة
المجتمع لا يُصلح بالمواعظ وحدها، بل بإعادة تعريف المفاهيم: ما هي الرجولة؟
ما هي القوامة؟
وما معنى المسؤولية؟
قبل أن تُفتح البيوت، يجب أن يُسأل السؤال الأهم:
هل فيها رجال بمعنى الكلمة، أم مجرد ذكور بلا أثر؟
فالنساء لسن كسرًا يُستهان به، بل “قوارير” تحتاج إلى الرفق والحفظ، لا الدوس أو الإيذاء.
وفي النهاية…
الرجولة الحقيقية هي التي تُقيم مجتمعًا، لا التي تكسره.

Related posts

Leave a Comment