إلى متى يظل “القسم الهندسي” جزيرة منعزلة فوق قانون البناء الموحد

كتب-محمود ابومسلم

​حينما تتحول “الوحدة المحلية” من جهة لخدمة المواطن وحماية أملاك الدولة إلى “سوق عكاظ” لبيع وشراء الذمم، فنحن لسنا أمام مجرد مخالفات إدارية، بل أمام “خيانة عظمى” لمقدرات هذا الوطن إن ما يحدث داخل دهاليز بعض الأقسام الهندسية في وحداتنا المحلية يتجاوز بمراحل فكرة “التقصير”؛ إنه فساد مهيكل، يُدار بأيدٍ تعبث بمستقبل الرقعة الزراعية في وضح النهار.
​مشرفو المناطق.. الأباطرة الصغار!
​لقد تحول “مشرف المنطقة” في كثير من القرى والمراكز إلى “إمبراطور” يملك حق الفيتو على القانون هذا الموظف، الذي يُفترض أن يكون عين الدولة الساهرة، أصبح في بعض الأماكن هو “المهندس الأول” لعمليات التزوير. هو من يكتب “المعاينة” بمداد المصالح الخاصة، وهو من يقرر متى يرى المخالفة ومتى يصاب بـ “العمى الاختياري” حتى يكتمل سقف العقار ويصبح “أمراً واقعاً” يصعب انتزاعه.
​بورصة المخالفات.. كيف يُسرق الوطن؟
​لم يعد الفساد يحتاج لمجهود لإثباته، فالحيل باتت مفضوحة للعامة قبل الخاصة:
​تزوير الإحداثيات: خرائط وكروكيات تُفصل على مقاس “الأراضي الزراعية” لتتحول بقدرة قادر إلى “كردون مبانٍ” في أوراق القسم الهندسي فقط.
​تجارة المحاضر:
محاضر مخالفات تُحرر بأسماء وهمية أو تُحفظ في الأدراج لسنوات، حتى تسقط العقوبة بالتقادم، أو تضيع المسؤولية بين “فني المنطقة” و”رئيس القسم”.
​ختم الدولة للإيجار: استغلال أوراق رسمية قديمة وتصاريح هدم وهمية لشرعنة أبراج أسمنتية نبتت كالفطر على جثة الأرض التي كانت يوماً تطعم المصريين.
​صمت الرؤساء..
هل هو عجز أم تواطؤ؟
​إن تراكم هذه الكوارث العمرانية يضع رؤساء الوحدات المحلية ومديري الأقسام الهندسية في قفص الاتهام فإما أنهم لا يعلمون ما يدور في شوارعهم وهذه مصيبة- أو أنهم يعلمون ويصمتون وهذه كارثة-. غياب الرقابة الداخلية الصارمة جعل من “القسم الهندسي” جُزيرة منعزلة، لا يحكمها قانون البناء الموحد، بل تحكمها “لوائح المصالح المتبادلة”.
​الرقعة الزراعية.. الخط الذي أصبح مستباحاً
​رغم تحذيرات القيادة السياسية المتكررة، ورغم اعتبار التعدي على الأرض الزراعية “جريمة مخلة بالشرف”، إلا أن “مافيا الأختام” لا تزال تعتقد أنها فوق الحساب. إن هؤلاء المتورطين لا يسرقون مالاً فحسب، بل يسرقون “حق البقاء” للأجيال القادمة، ويحولون القرى إلى غابات أسمنتية مشوهة تفتقر لأدنى معايير الأمان أو الخدمات.
​كلمة أخيرة..
​إن الضرب بيد من حديد لم يعد خياراً، بل هو ضرورة قصوى. تطهير المحليات يبدأ من “اجتثاث” العناصر الفاسدة في الأقسام الهندسية، وتفعيل الرقابة الإلكترونية التي لا تعرف “المحسوبية”.
​إننا نضع هذا الملف أمام النيابة الإدارية والأجهزة الرقابية: الأقسام الهندسية بحاجة إلى “زلزال” يقتلع جذور الفساد، ليعود لختم الدولة هيبته، وللوحدة المحلية دورها الحقيقي.
​ستظل ملفاتنا مفتوحة.. ولن نصمت حتى تُسترد حقوق الدولة من يد العابثين.

Related posts

Leave a Comment