بين مطرقة التجاوزات وسندان الرقابة.. قطاع الدواجن في مصر نحو “التصحيح الشامل”

​بقلم: محمود أبومسلم

​يعد قطاع الدواجن في مصر واحداً من أكثر القطاعات حيوية، ليس فقط لكونه استثماراً مليارياً يضم ملايين العاملين، بل لأنه “بروتين الغلابة” والعمود الفقري للأمن الغذائي المصري. وفي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد وتيرة التحديات العالمية والمحلية، برزت على السطح ممارسات سلبية انتهجتها “قلة” من أصحاب المزارع، غلّبوا فيها الربح السريع على صحة المستهلك. ولكن، في مقابل هذه التجاوزات، تشن الدولة المصرية اليوم معركة “تصحيح مسار” شاملة، تضع فيها مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
​حملات بيطرية لا تهدأ.. “عين الدولة” التي لا تنام
​لا تكتفي الدولة اليوم بإصدار التشريعات، بل انتقلت إلى “الميدان” عبر أذرعها الرقابية المتمثلة في وزارة الزراعة والهيئة العامة للخدمات البيطرية. إن المشهد الحالي يؤكد أن “زمن العشوائية” في تربية الدواجن بدأ يتلاشى، وذلك من خلال محورين أساسيين:
​1. التفتيش الصارم والضرب بيد من حديد
​لم تعد الرقابة مجرد إجراء روتيني؛ فالحملات المفاجئة باتت تطرق أبواب المزارع والمجازر في مختلف المحافظات. الهدف واضح: ضبط المخالفات المتعلقة باستخدام المضادات الحيوية المحظورة التي تترك ترسبات ضارة في لحوم الدواجن، والتأكد من التخلص الآمن من النافق، ومنع تداول الطيور الحية خارج الإطار القانوني والبيئي السليم.
​2. التحصين الوقائي.. خط الدفاع الأول
​تدرك الدولة أن المنع وحده لا يكفي، لذا كثفت القوافل البيطرية جهودها لتوفير اللقاحات السيادية والتحصينات اللازمة ضد الأمراض الوبائية مثل “أنفلونزا الطيور” و”النيوكاسل”. هذه الجهود لا تحمي المستهلك فحسب، بل تحمي استثمارات المربين أنفسهم من الانهيار المفاجئ نتيجة الأوبئة.
​من “العشوائية” إلى “العالمية”.. استراتيجية التحول للمزارع المغلقة
​إن جوهر خطة الدولة لتطوير هذا القطاع يكمن في التحول من نظام “المزارع المفتوحة” التقليدية، التي تفتقر للتحكم البيئي وتسهل انتقال العدوى، إلى نظام “المزارع المغلقة”
​عبر مبادرات تمويلية ميسرة من البنك المركزي، تدفع الدولة المربين نحو هذا التحول الذي يضمن:
​عزل كامل للطيور عن الملوثات الخارجية.
​ترشيد استخدام الأدوية نتيجة السيطرة على الحرارة والرطوبة.
​زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد، مما يساهم في استقرار الأسعار.
​”إن التجاوزات التي نراها من قلة قليلة لا تعكس واقع قطاع عريض يعمل بجد، كما أنها لن تصمد طويلاً أمام القبضة الرقابية التي تشتد يوماً بعد يوم.” – مقتبس من لجان المتابعة الميدانية.
​تطوير المجازر الآلية.. حلقة الوصل المفقودة
​لا يكتمل أمن المنتج الداجني إلا بمرحلة الذبح والتجهيز. وهنا يأتي دور المشروع القومي لتطوير المجازر، حيث تسعى الدولة لتحويل عملية الذبح من الطرق التقليدية اليدوية إلى المجازر الآلية الحديثة. هذا التحول يضمن خضوع كل دجاجة للكشف البيطري قبل وبعد الذبح، وتعبئتها وتغليفها وفق معايير سلامة الغذاء، مما ينهي تماماً مخاطر انتقال الأمراض المشتركة بين الحيوان والإنسان.
​الوعي المجتمعي.. طوق النجاة الحقيقي
​الرقابة مهما بلغت قوتها تظل منقوصة دون “وعي”. وعي المربي بأن التزامه بالاشتراطات الصحية هو ضمان لاستمرارية مشروعه، ووعي المستهلك بضرورة تحري مصادر شرائه والبحث عن المنتجات الحاصلة على أختام الرقابة البيطرية.
​إن الدولة تبذل قصارى جهدها لتذليل العقبات أمام المربين الملتزمين، وتوفير الأعلاف ومستلزمات الإنتاج، لكنها في الوقت ذاته تبعث برسالة شديدة اللهجة: “صحة المصريين خط أحمر، ولا تهاون مع المتلاعبين بقوت الشعب”.
​ختاماً..
​يبقى قطاع الدواجن ركيزة أساسية للأمن الغذائي المصري، وصناعة وطنية تستحق الدعم والتقويم. وإذا كان النقد يهدف لتصحيح المسار وتسليط الضوء على الخلل، فإن الإشادة بـ “جيش مصر الأبيض من الأطباء البيطريين” والجهات الرقابية واجبة؛ فهم حائط الصد الأول الذي يضمن أن تظل المائدة المصرية عامرة بغذاء صحي، آمن، ومطابق للمعايير العالمية.

Related posts

Leave a Comment