اعرف حقك سفر الحاضنة بصغارها خارج البلاد بعد زواجها من أجنبي… بين حق الحضانة وحقوق الولي الطبيعي

بقلم الأستاذ ـ مالك السعيد

تُعد مسألة سفر الحاضنة بصغارها إلى خارج البلاد من أكثر القضايا إثارةً للجدل داخل محاكم الأسرة، لارتباطها بحقوق متداخلة تمس مصلحة الطفل، وحقوق الحاضنة، وولاية الأب، وما قد يترتب على السفر من آثار قانونية واجتماعية وإنسانية.

ويزداد الجدل عندما تكون الحاضنة مطلقة ثم تتزوج من أجنبي، وترغب في الانتقال للإقامة معه خارج البلاد مصطحبة أبناءها. وهنا يثور التساؤل: هل يكفي زواج الحاضنة من أجنبي لمنعها من السفر؟ أم أن الحضانة تمنحها هذا الحق بصورة مطلقة؟

والإجابة القانونية أن كلا التصورين غير صحيح.

فالحضانة لم تُشرع لتحقيق مصلحة الحاضنة أو الأب، وإنما شُرعت أولًا وأخيرًا لتحقيق المصلحة الفضلى للصغير، وهي المبدأ الذي يجب أن يهيمن على كل قرار يتعلق بمستقبله أو محل إقامته أو تعليمه أو رعايته.

ولذلك فإن سفر الصغير إلى خارج البلاد لا يخضع لفكرة المنع أو الإباحة المطلقة، وإنما يخضع لتقدير دقيق يوازن بين عدة اعتبارات، في مقدمتها مصلحة الطفل، وحقه في الاستقرار، وحقه في الرعاية، وفي المقابل حق الولي الطبيعي في متابعة شؤون أبنائه وعدم عزله عنهم.

ومن ثم، فإذا وافق الأب على السفر، زال سبب النزاع، أما إذا رفض، فإن الفصل في الأمر ينتقل إلى القضاء، الذي يملك سلطة تقدير مدى مشروعية الطلب في ضوء ظروف كل حالة على حدة.

ولا يكفي أمام المحكمة مجرد الرغبة في السفر، بل يجب أن تثبت الحاضنة أن انتقال الصغار إلى الدولة المقصودة يحقق لهم مصلحة حقيقية، كاستقرار معيشي أفضل، أو مستوى تعليمي أو صحي مناسب، أو بيئة آمنة تكفل استمرار رعايتهم دون الإضرار بحقوقهم.

وفي المقابل، إذا ثبت أن السفر قد يؤدي إلى حرمان الأب من ممارسة حقوقه القانونية تجاه أبنائه، أو يجعل التواصل معهم متعذرًا، أو يعرض استقرارهم للخطر، فإن المحكمة قد ترى عدم الاستجابة لطلب السفر، أو قد تقرر وضع ضوابط وضمانات تكفل تحقيق التوازن بين جميع الحقوق.

أما زواج الحاضنة من أجنبي، فلا يُعد بذاته سببًا قانونيًا يمنع سفر الصغار أو يبيحه، وإنما يمثل ظرفًا من الظروف التي تُقيَّم مع غيرها عند بحث مدى توافق السفر مع مصلحة الأطفال، دون افتراض مسبق بأن الزواج يؤثر إيجابًا أو سلبًا على حق الحضانة.

ومن الناحية العملية، فإن نجاح دعوى الإذن بالسفر يتوقف على قوة المستندات المقدمة، ومدى قدرة الحاضنة على إثبات أن انتقال الصغار سيحقق لهم حياة أكثر استقرارًا، مع تقديم الضمانات التي تكفل استمرار صلتهم بوالدهم وعدم الإضرار بحقوقه القانونية.

إن العدالة الأسرية لا تقوم على انتصار أحد الأبوين على الآخر، وإنما تقوم على حماية الطفل من آثار النزاع، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، بحيث تبقى مصلحة الصغير هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأحكام والقرارات.

بقلم الأستاذ/ مالك السعيد المحامي بالنقض والإدارية العليا متخصص في القضايا الدولية والميراث الدولي وتنفيذ الأحكام الأجنبية وأحكام التحكيم وقضايا الإنتربول

هاتف وواتس٠١١٤٠٧٩٠٥٤٧ و٠١١٤٠٦٣٤٦٠٤

Related posts

Leave a Comment