المتابعين الكرام اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه..
السيدات والساده:
بعد أكثر من سبعين عامًا على ثورة 23 يوليو 1952، لم يعد السؤال المطروح هو: هل نؤيد الثورة أم نعارضها؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يمكن أن نتعلم منها ونحن نبني مستقبل مصر؟
فالتاريخ لا يُكتب من أجل تمجيد الماضي أو إدانته، وإنما من أجل استخلاص الدروس التي تساعد الأجيال الجديدة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
لقد نجحت ثورة يوليو في تحقيق إنجازات وطنية كبرى، من أهمها إنهاء الاحتلال البريطاني، وإقامة الجيش الوطني الحديث، وإطلاق مشروع التصنيع الثقيل، وبناء السد العالي، وتحقيق إصلاح زراعي غيّر خريطة الملكية الزراعية، وترسيخ مجانية التعليم، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتعزيز مكانة مصر العربية والإفريقية والدولية.
وفي المقابل، كشفت التجربة أيضًا عن تحديات لا ينبغي تجاهلها، مثل اتساع دور الدولة على حساب المجتمع، وضعف المشاركة السياسية، وغياب آليات تداول السلطة، وهي دروس لا تقل أهمية عن الإنجازات نفسها.
واليوم تختلف الظروف بصورة جذرية. فالعالم يعيش عصر الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد العالمية، والتنافس على المعرفة والتكنولوجيا، ولم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم الجيوش أو الموارد الطبيعية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، ورفع الإنتاجية، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة.
ومن هنا، فإن مصر تحتاج إلى مشروع وطني جديد للتنمية يستلهم روح يوليو في الاعتماد على الذات والانحياز للمصلحة الوطنية، ويستفيد في الوقت نفسه من دروس الماضي ومتطلبات العصر.
ويرتكز هذا المشروع، في تقديري، على عدد من المحاور الأساسية:
بناء اقتصاد إنتاجي يقوده التصنيع والزراعة الحديثة والتكنولوجيا، بدلًا من الاعتماد المفرط على الأنشطة الريعية.
الاستثمار في الإنسان المصري من خلال تطوير التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والتدريب المهني.
تسريع التحول الرقمي مع ضمان كفاءة التنفيذ والاستفادة من الخبرات الوطنية.
دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأكبر لتوليد فرص العمل.
تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي الفريد لمصر كمركز للتجارة والخدمات اللوجستية والطاقة.
تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية وكفاءة الاقتصاد، بحيث تصل ثمار التنمية إلى جميع المواطنين.
تعزيز سيادة القانون، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وتقوية مؤسسات الدولة بما يضمن الاستقرار والاستدامة.
إن المشروع الوطني الجديد لا يحتاج إلى استنساخ تجربة الماضي، وإنما يحتاج إلى استلهام مبادئها الإيجابية: الإرادة السياسية، والانحياز للمصلحة الوطنية، والثقة في قدرة المصريين على الإنجاز، مع تبني أحدث الأساليب العلمية والإدارية في التخطيط والتنفيذ.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي حققت نهضتها لم تعتمد على الموارد وحدها، وإنما اعتمدت على بناء الإنسان، واحترام المؤسسات، واستقرار السياسات، وتشجيع الابتكار، وربط التعليم بالإنتاج.
ومصر تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لذلك: موقعًا استراتيجيًا فريدًا، وموارد بشرية هائلة، وبنية أساسية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وخبرة تاريخية عريقة في بناء الدولة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى معدلات نمو مرتفعة، وفرص عمل منتجة، وزيادة الصادرات، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وهو ما يتطلب استمرار الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، وتعزيز الحوار المجتمعي، والاستفادة من خبرات جميع أبناء الوطن دون إقصاء.
ختامًا.. إن ثورة 23 يوليو ستظل محطة رئيسية في التاريخ المصري الحديث، بما لها وما عليها، لكن الوفاء الحقيقي لذكراها لا يكون بالاحتفال السنوي فقط، وإنما ببناء مستقبل يحقق للمصريين ما حلم به روادها: دولة قوية، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات حديثة، وإنسان قادر على المنافسة والإبداع.
فالأمم العظيمة لا تعيش في الماضي، وإنما تتعلم منه، ثم تنطلق بثقة نحو المستقبل.
بقلمي//دكتورمصطفي الفقي..