بقلم/ مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
لم تعد المنازعات القانونية في عالم اليوم تتوقف دائمًا عند حدود دولة واحدة؛ فقد يتوفى مصري بالخارج تاركًا أموالًا أو عقارات في دولة أخرى، وقد تتزوج مصرية من أجنبي ثم ينشأ نزاع بينهما، وقد يبرم شخص عقدًا مع شركة خارج بلاده، أو يتعرض مواطن لحادث أثناء وجوده في دولة أجنبية، أو يصدر حكم قضائي في دولة بينما توجد أموال المحكوم عليه في دولة أخرى.
وهنا تظهر فئة من القضايا تختلف في طبيعتها عن المنازعات المحلية التقليدية، وهي القضايا الدولية أو العابرة للحدود.
متى تصبح القضية عابرة للحدود؟
وجود طرف أجنبي ليس الصورة الوحيدة التي تجعل النزاع ذا طبيعة دولية؛ فقد يكون أطراف النزاع من جنسية واحدة، ومع ذلك يرتبط النزاع بأكثر من دولة.
فقد توجد الأموال محل النزاع في الخارج، أو يكون العقد قد أُبرم أو نُفذ في دولة أخرى، أو يقع الحادث خارج البلاد، أو يصدر الحكم المطلوب تنفيذه في دولة بينما يراد تنفيذه في دولة أخرى.
ومن هنا يظهر ما يعرف قانونًا بـ العنصر الأجنبي، وهو الذي يفتح الباب أمام مجموعة من المسائل القانونية التي قد لا تثار في النزاع المحلي المعتاد.
أي محكمة تختص بالنزاع؟
من أول الأسئلة التي ينبغي بحثها في القضية العابرة للحدود: أي محكمة تملك الاختصاص بنظر النزاع؟
ولا تكفي جنسية أحد الأطراف وحدها دائمًا للإجابة عن هذا السؤال؛ فقد تتداخل عوامل متعددة، منها موطن الأطراف، ومكان وجود المال، ومكان إبرام العقد أو تنفيذه، ومكان وقوع الواقعة المنشئة للنزاع، وطبيعة الحق محل المطالبة.
والخطأ في تحديد المحكمة المختصة منذ البداية قد يؤدي إلى إهدار وقت وجهد ونفقات كبيرة، وقد ينتهي الأمر بعد رحلة طويلة إلى القضاء بعدم الاختصاص دون الوصول إلى أصل الحق المتنازع عليه.
وأي قانون يجب تطبيقه؟
السؤال الثاني، وربما الأكثر تعقيدًا، هو: ما القانون الذي يحكم النزاع؟
فكون المحكمة المصرية مختصة بنظر قضية ما لا يعني بالضرورة أن كل عناصر النزاع تخضع للقانون المصري في جميع الأحوال.
وهنا تظهر أهمية قواعد تنازع القوانين، التي تساعد في تحديد القانون الواجب التطبيق على العلاقة القانونية ذات العنصر الأجنبي، وفقًا لطبيعة المسألة والضوابط التي يقررها القانون.
ومن ثم، فإن تحديد المحكمة المختصة يختلف عن تحديد القانون الواجب التطبيق، رغم الارتباط الوثيق بين المسألتين.
الحصول على الحكم قد لا يكون نهاية الطريق
في القضايا العابرة للحدود، هناك سؤال ثالث لا يقل أهمية:
أين سيتم تنفيذ الحكم؟
فقد يحصل الشخص على حكم لصالحه في دولة، بينما تكون أموال خصمه أو ممتلكاته في دولة أخرى.
وهنا تبدأ مرحلة قانونية جديدة تتعلق بالاعتراف بالحكم وتنفيذه خارج الدولة التي صدر فيها، وفقًا لقانون الدولة المطلوب التنفيذ على إقليمها وما يرتبط بها من اتفاقيات دولية أو ثنائية واجبة التطبيق.
لذلك فإن إدارة القضية الدولية بصورة صحيحة لا تبدأ فقط بالسؤال: كيف نكسب الدعوى؟
وإنما ينبغي أن تبدأ أيضًا بالسؤال: إذا صدر الحكم لصالحنا، أين وكيف يمكن تنفيذه فعليًا؟
الميراث الدولي نموذج واضح
ومن أبرز الأمثلة العملية على ذلك قضايا الميراث والتركات الدولية.
فقد يتوفى شخص في دولة، بينما يقيم ورثته في دولة أخرى، وتوجد حساباته المصرفية أو عقاراته أو استثماراته في دولة ثالثة.
وهنا لا تكفي معرفة أن الشخص وارث؛ بل يجب تحديد طبيعة الأموال وأماكن وجودها، والجهات المختصة، والمستندات المطلوبة، والقواعد القانونية المنظمة لكل جزء من التركة، والإجراءات اللازمة لإثبات الحقوق والمطالبة بها.
القضية الدولية تحتاج إلى استراتيجية قبل الإجراءات
أخطر ما يمكن أن يحدث في القضايا العابرة للحدود هو البدء في اتخاذ إجراءات متفرقة قبل رسم الخريطة القانونية الكاملة للنزاع.
فالخطوة الأولى ينبغي أن تكون تحديد الدول المرتبطة بالقضية، ثم تحديد الاختصاص القضائي، والقانون المحتمل التطبيق، ومكان الأموال أو الحقوق، وإمكانية تنفيذ الحكم، وما إذا كانت هناك اتفاقيات دولية أو ثنائية مؤثرة في النزاع.
وقد تتطلب القضية كذلك تنسيقًا قانونيًا بين محامين في أكثر من دولة، بحيث تُدار الإجراءات المختلفة ضمن استراتيجية واحدة لحماية الحق.
الحدود الجغرافية لا تعني نهاية الحقوق
العلاقات الأسرية والتجارية والمالية أصبحت أكثر ارتباطًا بأكثر من دولة، ومعها أصبحت القضايا العابرة للحدود جزءًا متزايد الأهمية من الواقع القانوني.
ولذلك فإن وجود مال في الخارج، أو إقامة الخصم في دولة أخرى، أو صدور حكم خارج البلاد، لا يعني في ذاته ضياع الحق.
لكن المطالبة بهذا الحق تحتاج منذ البداية إلى فهم الطبيعة الدولية للنزاع، وتحديد الطريق القانوني الصحيح قبل اتخاذ الإجراءات.
فالحق قد يتجاوز الحدود، ولكن الوصول إليه يبدأ بتحديد الاختصاص والقانون والطريق الصحيح لتنفيذه.
بقلم/ مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
للتواصل:
01140790547
01140634604
عندما تتجاوز القضية حدود دولة واحدة.. من يملك الاختصاص وأي قانون يُطبق
