نُـــورُ عِلْمِ الــدِّينِ
«أُرِيدُ حَدِيثًا أَخِيرًا .. لَيْسَ لِنَعُودَ .. وَلَكِنْ لِأَفْهَمَ…»
رُبَّمَا زَاوِيَةُ الْغُرْفَةِ هِيَ الْمَكَانُ الْوَحِيدُ الَّذِي نُجْرِي فِيهِ حَدِيثًا لِلنَّفْسِ وَنَفْهَمُ وَنَحْتَفِظُ بِكُلِّ مَا عَجَزْنَا عَنْ قَوْلِهِ، وَكُلِّ كَلِمَةٍ ابْتَلَعْنَاهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا لَمْ يَعُدْ قَابِلًا لِلْإِصْلَاحِ.. وَهُنَاكَ نُقَرِّرُ أَنْ نَبْقَى أَوْ نَعُودَ.
فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَتَظَاهَرَ بِأَنَّنَا بِخَيْرٍ.. هُنَاكَ فَقَطْ نَجْلِسُ أَمَامَ ذَاكِرَتِنَا، وَنُحَاوِلُ أَنْ نَفْهَمَ مَتَى تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَصْبَحَ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يَوْمًا مَلَاذًا، مُجَرَّدَ حَدِيثٍ نَبْحَثُ عَنْهُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ…؟!
هَذَا الرُّكْنُ الَّذِي لَا يُعِيرُهُ أَحَدٌ اهْتِمَامًا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ شَخْصٌ طَوِيلًا وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ شَتَاتَ نَفْسِهِ.. أَوِ احْتَمَى بِهِ مِنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ حِينَ يُصْبِحُ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ.. وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَبْدُوَ قَوِيًّا، وَلَا مُضْطَرًّا لِأَنْ يُفَسِّرَ مَا يُؤْلِمُهُ..
يَجْلِسُ كَمَا هُوَ.. بِلَا أَقْنِعَةٍ.. وَبِلَا مُحَاوَلَاتٍ لِإِقْنَاعِ الْآخَرِينَ بِأَنَّهُ بِخَيْرٍ.. رُكْنٌ صَغِيرٌ، لَكِنَّهُ تَحَمَّلَ مِنَ الْحِكَايَاتِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الْجُدْرَانُ أَنْ تَرْوِيَهُ…
وَأَحْيَانًا أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ تُرَاوِدُهُ فِي هَذَا الرُّكْنِ…
وَرُبَّمَا كَانَ السُّؤَالُ الَّذِي دَائِمًا فِي ذِهْنِهِ..
لِمَاذَا نَكْشِفُ حَقِيقَتَنَا لِمَنْ لَا يَعْرِفُنَا؟ مَاذَا كُنَّا نُرِيدُ..؟!
هَلْ نُرِيدُ عَابِرًا يَأْخُذُ مَا نَحْمِلُهُ مِنْ هَمٍّ ثُمَّ يَذْهَبُ لِحَالِ سَبِيلِهِ، وَمِنْ ثَمَّ نَهْدَأُ قَلِيلًا مِنْ إِفْرَاغِ مَا بَدَاخِلِنَا مِنْ حَدِيثٍ.. وَبِالْأَخَصِّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ وَلَا الرَّغْبَةَ فِي فَهْمِكَ، وَمَا هُوَ إِلَّا فُضُولٌ مِنْهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَيْكَ.. فَمَاذَا كُنَّا نُرِيدُ..؟!
لِمَاذَا نَسْمَحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى مَا أَخْفَيْنَاهُ طَوِيلًا؟
حَقًّا، فَإِنَّ بَعْضَ الْبَشَرِ رِسَالَةٌ خَفِيَّةٌ مِنَ اللهِ يُعَلِّمُكَ فِيهَا شَيْئًا جَدِيدًا..
وَأَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ تُرَاوِدُهُ فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ، وَيَظَلُّ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَاتٍ وَتَفْسِيرَاتٍ لَهَا.. لَكِنْ إِلَى أَيِّ مَدًى نَظَلُّ نَطْرَحُ الْأَسْئِلَةَ وَنُجِيبُ نَحْنُ..؟
وَلِهَذَا قَدْ يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ زَاوِيَتَهُ الصَّغِيرَةَ بَعِيدًا عَنْ ضَجَّةِ الْمَكَانِ الْمُزْدَحِمِ.. لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ دَائِمًا أَنْ يُجَارِيَ الْعَالَمَ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِيهِ وَيَخْلُوَ بِنَفْسِهِ مَعَ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي يَرَاهُ فِي الْمِرْآةِ..
وَكَعَادَتِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا، حِينَ يَهْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ، قَدْ تَتَحَوَّلُ الْوَحْدَةُ إِلَى كَائِنٍ لَهُ ظِلٌّ وَرُوحٌ.. تُصْبِحُ الْأَفْكَارُ أَعْلَى مِنْ صَوْتِهِ، وَتَعُودُ الْوُجُوهُ وَالذِّكْرَيَاتُ، وَيَبْدُو الْقَلْبُ وَكَأَنَّهُ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي مُوَاجَهَةِ كُلِّ مَا حَاوَلَ طَوَالَ النَّهَارِ أَنْ يُخْفِيَهُ..
فَاللَّيْلُ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ هُوَ الْوَقْتُ الْوَحِيدُ الَّذِي تَتَعَرَّى فِيهِ الْمَشَاعِرُ مِنْ كُلِّ كِبْرِيَاءٍ..
هُدُوءٌ عَالٍ.. وَرُوحٌ تَشْتَاقُ.. تَسْقُطُ كُلُّ الْهَوَامِشِ.. صَمْتٌ يَزِنُ بِالْحِكْمَةِ، وَمَشَاعِرُ لَا تَتَّسِعُ لَهَا سَعَةُ النَّهَارِ.. فِيهِ تَسْتَرِدُّ الْأَرْوَاحُ هَيْبَتَهَا، وَتَتَكَلَّمُ الْمَشَاعِرُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ أَتْقَنَ الْعُزْلَةَ وَالصِّدْقَ..
وَلِهَذَا يَكُونُ الْجُلُوسُ فِيهِ فِي تِلْكَ الْوَقْتِ شَاهِدًا عَلَى سَاعَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ قَطُّ.. هُنَاكَ فَقَطْ، لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَخْتَبِئَ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَنْ يُؤَجِّلَ مُوَاجَهَةَ قَلْبِهِ مَعَ عَقْلِهِ.. وَهُنَاكَ.. يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَهِرُ كَثِيرًا بِالْبِدَايَاتِ..
(فَحَتَّى الْعَجِينُ الَّذِي يَلْمَسُهُ الْخَبَّازُ بِرِفْقٍ.. قَدْ يَنْتَهِي بِهِ الْأَمْرُ إِلَى النَّارِ)…
وَهَكَذَا الِانْبِهَارُ بِالْبِدَايَاتِ..
وَقَدْ يَكْتَشِفُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ ضَوْءٍ يَخْلُقُ ظِلًّا.. وَلِذَلِكَ (يُضْطَرِبُ بَعْضُهُمْ حِينَ نُثْمِرُ.. لَيْسُوا لِأَنَّهُمْ ضِدَّنَا، بَلْ رُبَّمَا كَانُوا ضِدَّ مَا يَكْشِفُهُ نُورُنَا فِي زَوَايَاهُمْ الْمُعْتِمَةِ)..
فَحِينَ يَرَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِوُضُوحٍ، قَدْ يُزْعِجُ ذَلِكَ مَنْ اعْتَادَ أَنْ يَرَاكَ أَقَلَّ مِمَّا أَنْتَ.. فَلَا تُبَالِ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ..
وَأَيْضًا قَدْ يَزُورُكَ جُرْحُكَ الْقَدِيمُ يَوْمًا، مُتَنَكِّرًا فِي هَيْئَةِ شَخْصٍ جَدِيدٍ.. فَيَأْتِيكَ بِنَفْسِ الْأَلَمِ، لَكِنْ بِوَجْهٍ مُخْتَلِفٍ، فَتَظُنُّ أَنَّكَ وَجَدْتَ مَا افْتَقَدْتَهُ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ بَعْضَ الْجِرَاحِ تَعْرِفُ كَيْفَ تَعُودُ مُتَخَفِّيَةً..
لِذَلِكَ إِيَّاكَ أَنْ تَأْمَنَ كُلَّ مَا يُشْبِهُ مَا تَمَنَّيْتَ، فَلَيْسَ كُلُّ تَشَابُهٍ وَعْدًا، وَلَا كُلُّ بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ شِفَاءً لِمَا مَضَى..
وَرُبَّمَا جَلَسَ أَحَدُهُمْ هُنَاكَ وَشَعَرَ بِأَنَّهُ كَسَاعَةِ حَائِطٍ، يَسْمَعُ نَبْضَهُ فِي صَمْتِ الْمَكَانِ دُونَ أَدْنَى جُهْدٍ، وَكَأَنَّ هُدُوءَ الْغُرْفَةِ تَرَكَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ قَلْبِهِ، لِيَسْمَعَ أَيْضًا مَا أَخْفَاهُ نَهَارًا..
وَقَدْ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مُعْزَلٌ.. يُعَانِي مِنْ عَدَمِ الِانْدِمَاجِ، (كَقَطْرَةِ زَيْتٍ فَوْقَ سَطْحِ مَاءٍ).. مَهْمَا اقْتَرَبَ مِنَ الْآخَرِينَ، لَا يَمْتَزِجُ مَعَهُمْ..
وَمَعَ ذَلِكَ يَظَلُّ هُنَاكَ شَيْءٌ يُطَمْئِنُ الْقَلْبَ أَنَّ الطَّيِّبِينَ لَا يَضِيعُونَ، وَأَنَّ اللهَ يُنْقِذُهُمْ مَهْمَا كَانَتْ خَسَائِرُهُمْ، وَيُعَوِّضُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا الْعَيْشَ دُونَهَا..
فَكَمْ مِنْ بَابٍ أُغْلِقَ وَكَانَ وَرَاءَهُ نَجَاةٌ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ رَحَلَ وَكَانَ فِي رَحِيلِهِ حِمَايَةٌ، وَكَمْ مِنْ خَسَارَةٍ ظَنَنَّاهَا نِهَايَةً، ثُمَّ اكْتَشَفْنَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ أَنَّهَا كَانَتْ بِدَايَةً لِحَيَاةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا..
وَحِينَ يَنْتَهِي مِنْ جَلْسَتِهِ فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ.. يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ مَا فِي قَلْبِهِ..
يَقُولُ: دَعْهَا عَلَى اللهِ..
يَقُولُ: أَقْدَارٌ مُقَدَّرَةٌ..
يَقُولُ: وَمَا خَلَقَ اللهُ إِنْسَانًا وَتَرَكَهُ لِنَفْسِهِ..
يَقُولُ الْكَثِيرَ وَيُنَاجِي رَبَّهُ..
فَعِنْدَ الرَّحِيمِ تَتْرُكُ كُلَّ حَوَائِجِكَ، فَهُوَ الْمَلْجَأُ حِينَ تَضِيقُ بِكَ السُّبُلُ، وَهُوَ الْأَمَانُ حِينَ لَا تَجِدُ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا آمِنًا لِقَلْبِكَ..
وَحِينَ يَعْجِزُ الْإِنْسَانُ عَنْ فَهْمِ مَا يَحْدُثُ لَهُ، يَكْفِيهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ، وَأَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يَأْتِي عَبَثًا.. فَيَطْمَئِنُّ..
وَلِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَمْنَحُنَا دَائِمًا مَا نُحِبُّ، بَلْ تُعَلِّمُنَا بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.. مَرَّةً بِاللُّطْفِ، وَمَرَّةً بِالْخُذْلَانِ، وَمَرَّةً بِثَمَنٍ غَالٍ لَوْ لَمْ نَدْفَعْهُ لَمَا تَعَلَّمْنَا..
فَالزَّاوِيَةُ قَدْ تُغَيِّرُ لَنَا النَّظَرَ لِلْمَشْهَدِ بِأَكْمَلِهِ..
وَنَتَعَلَّمُ أَنْ نَضَعَ حُدُودًا، وَأَنْ نَرْحَلَ حِينَ يُصْبِحُ الْبَقَاءُ إِهَانَةً لِسَلَامِنَا، وَأَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ مُطَارَدَةِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَلَا يَفْهَمُ حَدِيثَنَا..
فَإِنَّ قُوَّةَ الْحُضُورِ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَبْقَى فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَلْ أَحْيَانًا فِي أَنْ نَعْرِفَ مَتَى نُغَادِرُ الْمَكَانَ ذَاتَهُ، وَيَبْقَى حُضُورُكَ عَالِقًا فِي أَذْهَانِهِمْ..
فَأَنَا لَا أُجَارِي ضَجَّةَ الْمَكَانِ الْمُزْدَحِمِ… أَنَا أَرْحَلُ..
أَرْحَلُ حِينَ يُصْبِحُ وُجُودِي عِبْئًا عَلَى نَفْسِي، وَحِينَ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ أَكْثَرَ مِنَ الِانْتِصَارِ..
وَلِنَعْلَمْ أَنَّ زَاوِيَةَ الْغُرْفَةِ لَيْسَتْ مَكَانًا لِلْحُزْنِ فَقَطْ، فَقَدْ تَكُونُ مَلَاذًا لِلْهُدُوءِ وَالسَّكِينَةِ، وَرُكْنًا لِلْقِرَاءَةِ، وَمَكَانًا نُعِيدُ فِيهِ تَرْتِيبَ أَفْكَارِنَا، وَإِعَادَةَ تَرْتِيبِ أَوْلَوِيَّاتِنَا، وَرُكْنًا نَكْتَشِفُ فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ أَغْلَى مِنْ أَيِّ انْتِصَارٍ وَإِثْبَاتِ الذَّاتِ ..
فَالْقَرَارُ بِالرَّحِيلِ.. حُلْمٌ صَغِيرٌ يَخْشَى صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا فَيُعَرْقِلَهُ..
وَأَيْضًا تُفَكِّرُ وَأَنْتَ جَالِسٌ فِي أَلَّا تَنْسَى سَاكِنِيَ الْقَلْبِ.. اطْمَئِنُّوا عَلَيْهِمْ دَائِمًا، وَاسْأَلُوا عَنْ أُولَئِكَ الْمُخْتَبِئِينَ فِي زَوَايَا الرُّوحِ، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَكُونُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنَ الْحَافَّةِ، فَيُنْقِذَهُ سُؤَالٌ بَسِيطٌ ..
وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الزَّاوِيَةُ شَاهِدَةً عَلَى لَحْظَةِ انْكِسَارٍ، لَكِنَّهَا أَيْضًا كَانَتْ شَاهِدَةً عَلَى لَحْظَةِ نُهُوضٍ..
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَحِيدًا، لَرُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ نُدُوبَهُ كَانَتْ تُرَافِقُهُ، وَأَنَّهَا تَحْمِلُ مَعَهُ ذَاكِرَتَهُ وَمَا مَرَّ بِهِ، وَتُذَكِّرُهُ بِأَنَّهُ نَجَا مِنْ أَشْيَاءَ ظَنَّ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَكْسِرُهُ وَتَمْحِيهِ..
فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَدْخُلُ إِلَى هَذِهِ الزَّاوِيَةِ مُثْقَلًا بِالْخَيْبَاتِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا أَكْثَرَ وَعْيًا بِنَفْسِهِ..
الْغَرِيبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَهْرُبُ مِنَ الْعَالَمِ كُلِّهِ لِيَجْلِسَ فِي بِضْعَةِ أَمْتَارٍ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّ الْمَسَاحَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي احْتَوَتْهُ فِي ضَعْفِهِ كَانَتْ أَرْحَمَ بِهِ مِنْ عَالَمٍ كَامِلٍ لَمْ يَفْهَمْهُ..
لِذَلِكَ، لَا تَسْتَهِينُوا بِزَوَايَا الْغُرَفِ ..
فَبَعْضُ الزَّوَايَا لَيْسَتْ فَرَاغًا بَيْنَ جِدَارَيْنِ..
وَرُبَّمَا كَانَ أَصْعَبُ مَا يَشْعُرُ بِهِ هُنَاكَ، أَنَّ الْوَحْدَةَ فُرْصَةٌ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ ذَاتِهِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهَا ..
وَالدُّعَاءُ دَائِمًا هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي نَتَمَسَّكُ بِهِ حِينَ نَظُنُّ أَنَّنَا نَسْقُطُ..
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ.
سُورَةُ مَرْيَمَ، الْآيَةُ (٤).
حِينَهَا نَكُونُ أَهْدَأَ قَلِيلًا، أَكْثَرَ فَهْمًا، أَقَلَّ انْدِفَاعًا، وَأَشَدَّ يَقِينًا بِأَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ قَلْبًا لَجَأَ إِلَيْهِ..
وَأَخِيرًا ..
نَذْهَبُ إِلَى زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ لِتَنْضُجَ الرُّوحُ.. وَقَلْبٌ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَنْجُو ..

