المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
ان الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» لا يفهم كاختراق دبلوماسي بريء ولا كـ«تصحيح تاريخي» لكيان يبحث عن الاعتراف منذ 1991، بل كعملية إعادة تموضع محسوبة تحول الاعتراف نفسه إلى أداة نفوذ.
إسرائيل هنا لا تشتري صداقة بقدر ما تشتري موقعا، فالإقليم المطل على خليج عدن والقريب من باب المندب يمنح أي طرف قادر على النفاذ إليه هامش تأثير على أحد أعصاب الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة والتجارة، وعلى بيئة أمنية تزداد هشاشة مع صراعات اليمن والبحر الأحمر، ولذلك يصبح الاعتراف، في جوهره، استثمارًا في الجغرافيا أكثر من استثمار في الدولة، واستدعاءً لسياسة القواعد الخلفية والارتكازات بدلًا من الدبلوماسية المتكافئة.
هذا المعنى يظهر ضمنيا في الطريقة التي قدمت بها الخطوة باعتبارها شراكة كاملة تشمل سفارات وتعاونًا استراتيجيًا واسعًا، مع ربطها صراحة بروح اتفاقات أبراهام كإطار توسع يتجاوز العالم العربي إلى القرن الإفريقي.. أخطر ما في هذه الخطوة أنها تضرب فكرة الاستقرار الإقليمي من بوابة القانون والسيادة. فالمبدأ الإفريقي المؤسس – عدم العبث بالحدود القائمة – كان أحد صمامات الأمان لمنع تحول القارة إلى فسيفساء انفصالات متسلسلة.
وبالتالي جاء الاعتراف بكيان انفصالي خارج الإجماع الإفريقي والدولي لا يخلق دولة بقدر ما يخلق سابقة: رسالة تقول إن السيادة يمكن شراؤها إذا توفر راع قوي، وإن وحدة الدول تصبح قابلة للمساومة حين تتقاطع مع مصالح القوى، لهذا لم يكن الرفض واسعًا عاطفيًا، بل سياسيا مؤسسا على خوف واقعي من فتح الباب لموجة جديدة من إعادة رسم الخرائط من الخارج.
الاعتراف ينتج علاقة غير متوازنة بنيويا: كيان يبحث عن الشرعية بأي ثمن، ودولة تمنح الشرعية مقابل مكاسب، هذه معادلة تجعل الاعتراف نفسه أداة ابتزاز سياسي مستدامة، لا ورقة تصرف مرة واحدة، فحين تكون الشرعية نادرة، يصبح المانح قادرا على توسيع الطلبات: تعاون أمني، ترتيبات لوجستية، أولوية اقتصادية، وربما – وهنا مكمن الخطورة – توظيف الإقليم في ملفات لا تخصه أصلًا، لذلك لا ينبغي التعامل مع الوعود المدنية كقيمة مستقلة؛ فهي في الغالب بوابة لتثبيت الاعتماد والربط المؤسسي، بحيث يتحول الإقليم تدريجيًا إلى دولة وظيفة تدور داخل مدار الراعي بدل أن تبني استقلال قرارها.
تزداد حساسية الموضوع مع الرواية التي دفعتها بعض المنابر الإسرائيلية عن أن الاعتراف جاء مقابل قبول الإقليم استقبال سكان من غزة، هذه الرواية، حتى لو نفيت رسميًا من مسؤولين في أرض الصومال، تكشف الذهنية التي تحاول تحويل الجغرافيا الإفريقية إلى ساحة لتفريغ أزمات الشرق الأوسط، وإعادة إنتاج منطق التهجير خارج أرضه تحت عناوين حلول بديلة.
خطوة بهذا الحجم تمنح الجماعات المتطرفة ذريعة ذهبية على مستوى الدعاية والتجنيد، فتنظيم كـ«حركة الشباب» لا يحتاج إلى مبررات جديدة كي يقاتل، لكنه يستثمر الرموز جيدًا، وحضور إسرائيل كاعتراف سياسي أو علاقة ناشئة يوفر خطابًا تعبويًا جاهزًا لاستقطاب عناصر وتوسيع ساحات الحركة، وقد أعلن التنظيم بالفعل أنه سيقاتل أي محاولة لاستخدام أجزاء من أرض الصومال من قبل إسرائيل، وهو ما يعني أن الاعتراف لا يضيف استقرارًا بل يضيف وقودًا لسرديات العنف ويزيد احتمالات تمدد التهديد إلى جغرافيا كانت أقل سخونة نسبيًا.
أما الصمت الأمريكي فهو في الواقع صمت محسوب لا فراغ في الموقف، واشنطن تبدو وكأنها لا تريد دفع ثمن الاعتراف في لحظة شديدة التعقيد: الاعتراف الأمريكي سيصطدم فورًا بمبدأ وحدة الصومال الذي تتبناه مؤسسات دولية وإقليمية، وسيحدث ارتدادات مع شركاء أفارقة وعرب، وسيخلق سابقة انفصالية لا ترغب الولايات المتحدة في رعايتها علنًا، لذلك ظهر خطّان متوازيان: من جهة، موقف رسمي وإشارات من وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد دعم وحدة الصومال وسلامة أراضيه وفق ما نقلته تغطيات دولية، ومن جهة أخرى، إبقاء الباب مواربا سياسيا بصيغة قيد الدراسة دون التزام، بما يسمح لواشنطن بتوظيف الملف كورقة ضغط أو مساومة دون تحمل كلفة الاعتراف الكامل.
تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصحيفة نيويورك بوست يوضح جوهر هذا السلوك: رفض مباشر للاعتراف الآن، يترافق مع جملة كل شيء قيد الدراسة.. هذه ليست حيرة، بل إدارة وقت: واشنطن تفضل مراقبة ردود الفعل الإقليمية، وقياس فرص المكاسب، ثم تقرير ما إذا كانت الورقة تستحق كلفة كسر الإجماع الدولي، وبعبارة أدق، أمريكا تترك إسرائيل تتقدم خطوة للأمام لاختبار الميدان، بينما تحتفظ لنفسها بحق الاستفادة من النتائج دون أن توقع على المغامرة.
جاء رد مصر على الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» حاسما وواضح الخطوط، بلا مواربة ولا انزلاق إلى ضجيج مفتعل؛ فالقاهرة تعاملت مع الخطوة باعتبارها تجاوزا خطيرا لثوابت القانون الدولي ومحاولة لخلخلة توازنات إقليمية تمس مباشرة أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وأكدت عمليا أن وحدة الصومال خط أحمر غير قابل للمساومة، وأن أي مسعى لفرض كيانات انفصالية أو إدخال أطراف غير إقليمية في معادلات البحر الأحمر هو أمر مرفوض تمامًا.
مصر، التي تملك حضورًا سياسيًا وأمنيًا راسخًا في الإقليم وشراكات استراتيجية معلنة مع الدولة الصومالية، لم تتعامل مع القرار الإسرائيلي كأمر واقع، بل كخطوة أحادية لن تغيّر من الحقائق الجيوسياسية شيئًا، وأوصلت رسالتها بوضوح: لا قواعد، ولا ترتيبات أمنية، ولا توظيف لأراضي القرن الإفريقي في صراعات خارجية على حساب الأمن العربي، هذا الموقف لم يكن انفعاليا، بل صادرًا عن ثقة دولة تعرف وزنها، وتدرك أن أمن البحر الأحمر ليس ساحة مفتوحة للمغامرات، وأن أي محاولة للاقتراب من هذه الدائرة ستواجه بحزم سياسي ودبلوماسي وعسكري.
الاعتراف الإسرائيلي خطوة تفاقم قابلية المنطقة للتسييس والعسكرة، وتحول الاعتراف من قيمة قانونية إلى سلعة سياسية، هو اعتراف يفتح أبواب توترات جديدة: يضعف مبدأ السيادة ووحدة الدول، ويمنح المتطرفين ذخيرة دعائية، ويغري القوى الخارجية بمزيد من اختبار الخرائط، وحتى التريث الأمريكي لا يقرأ كاعتراض أخلاقي، بل كمحاولة لإدارة المخاطر وتوزيع الأكلاف، بحيث تبقى واشنطن قادرة على التقاط ثمار أي ترتيب جديد دون أن تتحمل مسؤوليته السياسية كاملة.