المتابعين الأفاضل اينما كنتم حول العالم عبر صفحات الجمهوريه.
السيدات والساده:
تكاد الحروب حولنا لا تعطينا لحظة لالتقاط الأنفاس.. فى صينية في مناطق مكتظة بالسكان، أثارا انتقادات متزايدة من الأمم المتحدة، ومنظمات الإغاثة والعديد من الحكومات، التي تطالب بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية واحترام قواعد القانون الدولي.
وإذا كانت ساحات القتال تكشف موازين القوى العسكرية، فإن الساحة الدولية تكشف خللًا لا يقل خطورة عن الوضع على الأرض. فمجلس الأمن، المفترض أنه الجهة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، لم يتمكن من الاضطلاع بدور حاسم بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى. وتكررت حالات التعطيل نتيجة تضارب المصالح واستخدام حق النقض، لتبدو المنظمة الدولية عاجزة عن مواكبة واحدة من أخطر أزمات العصر، حتى أن البعض يرى أن الأمم المتحدة تفقد، يومًا بعد يوم، مبرر وجودها.
ولا يقتصر أثر هذا العجز على قطاع غزة وحده، بل يمتد إلى مجمل النظام الدولي. فعندما يعجز المجتمع الدولي عن وقف حرب بهذا الحجم، أو عن فرض احترام قواعد حماية المدنيين، تتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، ويترسخ الانطباع بأن موازين القوة أصبحت أكثر تأثيرًا من القرارات الدولية، وهو تطور يحمل تداعيات بعيدة المدى على إدارة الأزمات والصراعات في مناطق أخرى من العالم.
في الوقت نفسه، لا تزال جهود الوساطة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية تسعى إلى التوصل لاتفاق يشمل وقفًا لإطلاق النار، وتبادلًا للأسرى والمحتجزين، وإدخال المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، إلا أن الخلافات حول شروط إنهاء الحرب، ومستقبل إدارة قطاع غزة، والضمانات الأمنية، تجعل الوصول إلى اتفاق شامل مهمة شديدة التعقيد.
ويبقى السؤال الأكبر متعلقًا بـ”اليوم التالي”. فأين ما يسمى “مجلس السلام”، ومن سيدير القطاع؟ وكيف ستتم إعادة الإعمار؟ وما هو شكل السلطة الفلسطينية في غزة؟ وهل يمكن التوصل إلى صيغة تمنع تجدد المواجهة بعد سنوات قليلة؟.. هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه، لأن تجاهلها قد يعني إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر عنفًا.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تُغيّر موازين القوى، لكنها لا تُنهي الصراعات بمفردها. فغياب الأفق السياسي يفتح الباب أمام جولات جديدة من العنف، ويظل المدنيون هم الخاسر الأكبر. ومن هنا، فإن الحاجة لم تعد تقتصر على هدنة مؤقتة أو اتفاق محدود، بل تمتد إلى رؤية سياسية قابلة للتنفيذ تعالج جذور الأزمة، وتعيد الاعتبار لمسار التسوية على أساس القانون الدولي والقرارات الأممية.
إن استمرار الحرب في قطاع ينعكس على استقرار الشرق الأوسط بأسره، ويؤثر في أمن الملاحة، وحركة التجارة، وأسواق الطاقة، ويزيد من احتمالات اتساع التوترات الإقليمية. وكلما طال أمد الصراع، ارتفعت كلفته الإنسانية والسياسية والاقتصادية.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الحرب هو أن العالم يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تستعيد الدبلوماسية والقانون الدولي مكانتهما في إدارة الأزمات، وإما أن يترسخ منطق القوة باعتباره اللغة السائدة في العلاقات الدولية. وفي هذه الحالة، لن يكون قطاع غزة آخر ساحات النزاع، بل قد يصبح نموذجًا لعالم تتراجع فيه السياسة أمام صوت الرصاص، وتتآكل فيه قواعد النظام الدولي التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار مثل هذه المآسي.. وندور فى دوامة لا يعرف مداها أحد.
بقلمي//رئيس التحرير….
