المدرسة والأسرة.. شراكة تصنع أجيال المستقبل وتبني مجتمعًا أكثر وعيًا

بقلم د. أحمد عبد الحميد
ماجستير أصول التربية جامعة طنطا
من كتاب حلول تربوية لطلاب المدارس المصرية

إذا كان الدور الاجتماعي لكل من المدرسة و الأسرة يتجلى في التنشئة الاجتماعية للأفراد عن طريق التربيـة فإن علاقتهما يجب أن تنطلق من هذا المنظور الأساسي ،وعلاقة الأسرة بالمدرسة لا يجب أن تبقـى علاقـة سطحية تتجلى أساسا في أن الأسرة هي التي تزود المدرسة بالمادة الأولية أي التلميذ و بالتالي فعملية الإنتـاج (أي التربية) كلها على عاتق المدرسة.
يجب أن تكون علاقة شاملة تنبني على أنهما شـريكان في عمليـة الإنتاج و في التوزيع وفي الرأسمال وبالتالي شريكان في الربح وفي الخسارة في حالة حدوثها ،وبـالرغم مـن التغييرات التي تحدث في الأسرة والمجتمعات الحديثة فهي مازالت إحدى المؤسسات ذات الأثر البعيد في المجتمع ففي المنزل يتعلم الطفل اللغة ويكتسب بعض المهارات ويكون رأيه عن ما هو صحيح أو خـاطئ ،و النـواة الأولى للطفل هي النواة التكوينية لحياته و أثرها يلازم الطفل حتى يدخل إلى المدرسة لذلك فتربية المدرسة هي امتداد لتربية الطفل في المنزل.
قد أوضحت عدة دراسات أجريت لمعرفة أثر المنزل على نمو سـلوك الطفـل حيث أن كثيرا من مظاهر سلوك الفرد ما هو إلا انعكاس لحياته المنزلية كنظافة المنزل مثلا تنعكس على مظهر وملبس الطفل والكلام عن الوالدين وإذا كان تأثير المنزل على تنشئة الفرد يظهر عليه،فان المدرسة واجب معرفة البيئة المنزلية للطفل حتى يمكنـها إدراك العوامل المختلفة المتدخلة في شخصيته ، كما أنها لا يمكن أن تستثمر في عملها التربوي ما لم يتعـاون الآباء معها عن طريق إمدادها بالمعلومات المختلفة عن مميزات الطفل وحاجاته…الخ.
ومن هنا يمكن القول أن المدرسة و الأسرة كمؤسستين للتنشئة الاجتماعية للأطفال ،يوجدان في وضعية المنافسة مع بقية المؤسسات التي يقبل عليها الأطفال مثل التلفاز و شبكة الانترنت و الشارع ،وبالتالي وجب عليهما تضافر الجهود و التنسيق بشكل متقن لمواجهة تلك المنافسة الشرسة من بقية تلك المؤسسات .
كما يجب علينا أن ننظر إلى المدرسـة و الأسرة بأنهما الوسيلتان الأساسيتان لتحقيق تنشئة اجتماعية جيدة للفرد و بالتالي بواسطتهما يمكن ضمان تنمية المجتمع بفضل تلك المكتسبات و المهارات التي تم غرسها في الفرد بفضل كل من الأسرة و المدرسـة ، فكـل إصلاح تربوي وجب عليه أن ينطلق من هاتين المؤسستين الاجتماعيتين و بشكل موازي للتطور و التغير الذي يقع على المجتمع ،ولكونهما من سيضمن لنا تنمية بشرية مستدامة .
– الأدوار الحديثة للمدرسة:
لقد أدى التغير الاجتماعي والتطور الحاصل في المجال العلمي إلى تطور وظائف المدرسة، التي تعتبر المجال الذي يتأثر بكل التغيرات التي مرت على المجتمعات المعاصرة، والتي تؤثر بدورها في مسارات تلك التغيرات وتوجيهها، ومن الضروري معرفة كيف حدث تطور وظائف المدرسة حتى اكتسبت وظائفها الحديثة.

– الوظيفة الاجتماعية للمدرسة:
خلال العصر الحديث ظهرت الثورة الصناعية وتطورت المدينة وساد الإنتاج الصناعي وأصبح من المتعذر على الأسرة أن تكون الوحدة الأساسية في الإنتاج كما هو الحال الزراعي، وخرجت المرأة للعمل، وترتب على ذلك تطور في وظيفة الأسرة وأصبحت الحاجة ماسة ‘إلى انتشار المدرسة باعتبارها من أهم سبل الإعداد الناشئة من الأطفال والشباب، ثم بدأ الاتجاه الديمقراطي في السريان بين المجتمعات والشعوب، مما أدى إلى بروز مفاهيم ومبادئ جديدة انعكست على المدرسة حول إزالة الفوارق والحواجز بين الطبقات الاجتماعية في التعليم، وحق التعليم لكل مواطن، ومجانية وتكافؤ الفرص، كما تنوعت وتعددت مشكلات المجتمعات الحديثة وانعكست على المدرسة، وأثر بالتالي على الحياة المدرسية والعلمية التعليمية ولم تعد الوظيفة الاجتماعية للمدرسة تقتصر على إعداد متعلمين لممارسة متطلبات المجتمع، بل امتدت إلى مقابلة الاحتياجات ومواجهة المشكلات الاجتماعية التي تؤثر على الطالب وفاعلية التعليم، وأيضا على الحياة المدرسية والمجتمع كذلك .
لقد عرفت المؤسسات المدرسية تطورا مذهلا تجلى خاصة في مجانية التعليم وتأسيس نقابات المدرسين وسن قوانين تتعلق بالتعليم التقني الوطني وتمديد إجبارية التمدرس إلى غاية سن السادسة عشر، فلم يعد بالإمكان تصور أن ينفلت أحد من النظام المدرسي، وقد صار هذا الأخير كضرورة حقيقية يتعين على المجتمع الامتثال لها.
لذلك يفترض على هذا النظام أن يوفر ويمنح الأدوات الضرورية للعيش والعمل، ونتيجة لذلك تزايد عدد المتعلمين، وهذا يجسد الاهتمام المتزايد بالمدرسة والتعليم

ونتيجة لذلك أصبحت المدرسة سبيلا للاستثمار في الموارد البشرية، ففي ظل التحولات المتواترة التي شهدتها المجتمعات الصناعية على وجه الخصوص ابتداء من عقد السبعينات في القرن الماضي تأكد بأن القدرة الإنتاجية لا يمكن حصرها في الآلة وحدها، بل هي رهينة بالخلق والإبداع المتواجد لدى العنصر البشري الذي يحمل مؤهلات ومواصفات ليست متعلقة بالمكتسبات المعرفية فحسب بل تتطلب توفر مزايا أخرى مثل حسن المبادرة والإسهام بالمقترحات والأفكار، وبما أن المدرسة تعد الخزان الرئيس للموارد البشرية التي تلج عالم الشغل، قد وجدت نفسها مطالبة بتحويل وظيفتها في هذا الاتجاه، أي لم تعد فضاء لتلقين المعارف فقط بل يتعين عليها أن تسعى إلى استثمار رأسمالها البشري وتأهيله للحياة المهنية والاجتماعية الناجحة.
إن متطلبات سوق الشغل والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة تلزم المدرسة بأن تضطلع بدور إكساب الخبرات والمبادرات وحسن التواجد، وهذه المكونات من شأنها أن تخلق لدى المتعلم فن حس العيش، أي قدرة التعامل مع مختلف الوضعيات مهنية أم اجتماعية وتربيته على حسن المسؤولية والوعي بحقوقه وواجباته
لذلك ينظر رجال التربية إلى المدرسة على أنها مركز اجتماعي هام يقضي فيها الطفل ساعات طويلة من حياته اليومية وانتقد روبرت دريبن ROBERT DREEBEN الفكر التربوي التقليدي الذي حصر دور المدرسة كعملية تعليم تنصب أساسا على الجوانب المعرفية.
فأهم ما يميز دور المدرسة عن غيرها هو ما لها من تنظيم اجتماعي رسمي يجعلها ذات خصائص ثقافية اجتماعية منفردة بها عن الأسرة أو أي مؤسسة أخرى،

Related posts

Leave a Comment