المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
حين تتدخل وزارة الخزانة الأمريكية في سوق السندات، تبدو الخطوة في ظاهرها محاولة لطمأنة المستثمرين والتأكيد أن الحكومة مستعدة للتحرك إذا ازدادت الأوضاع سوءًا، لكن مثل هذا التدخل يطرح سؤالًا أكثر أهمية: ماذا لو تحول إلى مصدر جديد للضغط على الأسواق والسياسة النقدية الأمريكية؟
المشكلة الأساسية أن حجم التدخل، مهما بدا مهمًا سياسيًا أو إعلاميًا، يظل محدودًا للغاية مقارنة بحجم سوق السندات الأمريكية، فنحن أمام سوق ضخم يصعب تغيير اتجاهه بتدخل حكومي محدود، وهو ما يجعل الخطوة أقرب إلى رسالة موجهة للأسواق منها إلى أداة قادرة فعليًا على تغيير المسار.
والتاريخ يؤكد أن الأسواق المالية لا تستجيب دائمًا بالطريقة التي تريدها الحكومات، فقد شهدت تجارب سابقة قدرة الأسواق على اختبار صلابة السياسات الرسمية، بل والانتصار عليها أحيانًا، لذلك فإن محاولة فرض اتجاه محدد على السوق ليست لعبة مضمونة النتائج، خاصة أن حركة الأسواق تخضع في النهاية لحسابات المستثمرين والسيولة والمخاطر والتوقعات.
الأكثر أهمية أن شراء وزارة الخزانة للسندات طويلة الأجل لا يحدث بمعزل عن بقية أدوات التمويل، فإذا كانت هذه المشتريات تحتاج إلى تمويل، فقد يترتب عليها زيادة الاعتماد على السندات قصيرة الأجل، بما قد يؤثر على منحنى العائد ويرفع تكلفة التمويل داخل الاقتصاد الأمريكي.
وهنا تظهر المفارقة فإذا تسبب تدخل الخزانة في ضغوط تدفع عوائد السندات إلى مستويات تجعل الاحتياطي الفيدرالي أكثر تشددًا في سياسته النقدية، فقد تأتي النتيجة معاكسة تمامًا للهدف من التدخل، فمحاولة تهدئة سوق السندات قد تتحول إلى عامل يزيد الضغوط على الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة.
والتمويل الحكومي الأمريكي لا يعتمد على آجال قصيرة فقط، بل يمتد بين أدوات دين قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، ولذلك تظل قدرة الحكومة على التحكم في منحنى العائد محدودة، وفي المقابل، لا يستطيع الاحتياطي الفيدرالي تجاهل الإشارات التي ترسلها سوق السندات.
ومع اقتراب الفجوة بين عوائد السندات والفائدة الفيدرالية من نصف نقطة مئوية، فإن السوق يبعث برسالة واضحة إلى صناع السياسة النقدية بأن هناك ضغوطًا لا يمكن احتواؤها بمجرد التصريحات المطمئنة.
وفي هذا السياق، لا يبدو متوقعًا أن تحمل الرسائل المقبلة بشأن السياسة النقدية قدرًا كبيرًا من الوضوح، فكيفن وورش لا يميل إلى تقديم توجيهات مستقبلية واضحة، وقد تتركز رسائله على طمأنة الأسواق أكثر من تقديم مسار محدد للسياسة النقدية، لكن التطمينات وحدها لا تلغي حقيقة وجود مشكلة حقيقية في سوق السندات.
النقطة الإيجابية حتى الآن أن الأزمة لا ترتبط بنقص السيولة. فالتمويل ما زال يعمل بصورة طبيعية ولا يوجد شح في السيولة، إلا أن ذلك لا يعني غياب الضغوط. المشكلة الأكبر تكمن في ارتفاع تكلفة رأس المال داخل الاقتصاد الأمريكي إلى مستويات مرتفعة للغاية.
ومع تصاعد هذه التكلفة، تصبح مسألة التحوط من المخاطر أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى المستثمرين، وفي مثل هذه البيئة، يصبح الابتعاد عن الأصول مرتفعة التقييم خيارًا أكثر منطقية، لأنها عادة ما تكون من أوائل الأصول التي تتعرض للضغط عند تراجع شهية المخاطرة.
كما أن الدولار قد لا يكون الملاذ الوحيد في مثل هذه الظروف، خاصة مع استمرار الضغوط المرتبطة بالديون والسياسة المالية، وفي المقابل، قد تتجه الأنظار إلى بعض الأسواق والأصول الأقل ارتفاعًا في التقييم، ومنها السوق السويسرية وبعض السلع مثل الذرة والبلاديوم.
ومع وصول الدين الأمريكي إلى نحو 40 تريليون دولار، تصبح كيفية التعامل معه واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الاقتصاد الأمريكي، فارتفاع أعباء الدين وتكلفة التمويل يضعان السياسة المالية والنقدية أمام معادلة أكثر صعوبة، خصوصًا إذا استمرت الضغوط في سوق السندات.
القضية إذن لا تتعلق فقط بعملية شراء سندات أو محاولة التأثير في عوائدها، وإنما بصراع أوسع بين قدرة الحكومة على إدارة تكلفة ديونها وبين قدرة السوق على فرض تسعيره الخاص للمخاطر.
وفي مثل هذه المواجهة، لا يصبح السؤال ما إذا كانت وزارة الخزانة قادرة على التدخل، وإنما إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التدخل قبل أن يتحول العلاج نفسه إلى جزء من المشكلة.