المتابعين الاكارم اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,
السيدات والساده:
قبل عشر سنوات، وبإلهام من بحث قرأته، كتبت مقالًا عن نماذج لتقويم تعلم الطلاب، أدعو فيه إلى الخروج من أسر الامتحان الورقي التقليدي إلى آفاق أرحب تُنصف الطالب وتقيس تقدمه الحقيقي لا مجرد قدرته على الحفظ والاستظهار. وإذ أراجع اليوم ذلك المقال، أجد أن جوهره التربوي لم يفقد شيئًا من صلاحيته؛ فالمبادئ التي استند إليها – جعل التقويم مرافقًا للتعلم لا حكمًا ختاميًا عليه، ومراعاة الفروق الفردية، وتحرير الطالب من أسر المقارنة بالآخرين إلى مقارنة نفسه بنفسه – تبقى صحيحة، بل تزداد إلحاحًا مع الزمن.
غير أن عشر سنوات لم تمر عبثًا؛ فقد اقتحم الذكاء الاصطناعي التوليدي، منذ عام 2022، ساحة التعليم اقتحامًا غيّر كثيرًا من قواعد اللعبة، وأصبح لزامًا أن يُقرأ هذا المقال القديم في ضوء هذا المتغير الجديد الذي سأعرض له في ختام هذا التلخيص.
لماذا نحتاج أساليب جديدة؟
لا تزال أسباب المناداة بتجديد أساليب التقويم قائمة كما كانت: اقتصار أغلب مدارسنا على الاختبار كأداة وحيدة للحكم على الطالب، وتركيز هذا الاختبار على استرجاع المعلومات في مستوياتها المعرفية الدنيا دون أن يمتد إلى التطبيق والتحليل والتركيب والإبداع، وتحويل التقويم إلى طقس ختامي يُترك لنهاية الوحدة الدراسية بدلًا من أن يكون مرافقًا مستمرًا لعملية التعلم منذ بدايتها.
وقد ترتب على هذا القصور أن تحول الامتحان إلى مصدر قلق دائم يغذي ظواهر الدروس الخصوصية وشراء الملخصات والغش، بدلًا من أن يكون أداة تشخيص وتغذية راجعة تعين الطالب على تطوير ذاته والثقة بقدراته. والحق أن هذه المشكلات، بعد عشر سنوات كاملة، ما زالت قائمة في أغلب مدارسنا، بل ازدادت تعقيدًا مع الانفتاح المتزايد على أنماط تعلم جديدة كالتعلم الاستقصائي والتعلم بالاكتشاف والتعلم النشط، وهي أنماط تتطلب بطبيعتها أدوات تقويم مغايرة تمامًا لما اعتدناه من اختبارات الورقة والقلم.
المبادئ الحاكمة
ترتكز الأساليب المتجددة على مبادئ سبعة يمكن إيجازها فيما يلي:
*أن يرافق التقويم عملية التعلم في جميع مراحلها بدلًا من أن يأتي في نهايتها فقط،
*وأن يقدّم تغذية راجعة فورية تعين الطالب على مقارنة نفسه بنفسه لا بغيره،
*وأن ينطلق من أنشطة واقعية ذات صلة حقيقية بشؤون الحياة،
*وأن يؤكّد على التقصي وحل المشكلات واتخاذ القرار وتحقيق الذات،
*وأن يراعي الفروق الفردية ويفسح المجال للتفرد والابتكار،
*وأن يحفّز التعاون بين الطلاب بدلًا من التنافس المحموم بينهم،
*وأن يقيس النمو في جوانبه المعرفية والوجدانية والمهارية معًا لا في جانب واحد منها.
وهذه المبادئ – وقد راجعتها بعد عقد كامل من الزمن – ما زالت في تقديري تمثل بوصلة سليمة لأي نظام تقويم عادل وإنساني، ولم يطرأ عليها من التقادم شيء يُذكر.
الأساليب الستة
عرض المقال الأصلي ستة نماذج بديلة للاختبار التقليدي، ما زالت جميعها صالحة للتطبيق اليوم.
أولها خرائط المفاهيم، وهي أداة لتنظيم المفاهيم في علاقات هرمية تكشف كيف يربط الطالب بين ما تعلمه، وتصلح تقويمًا تشخيصيًا يفضح المفاهيم الخاطئة قبل أن تتجذر في ذهنه.
وثانيها التقويم الإبداعي، الذي يفسح المجال للطالب ليعبر عما تعلمه بوسائطه الخاصة – من سجلات القصاصات إلى الأشرطة والملفات الصوتية والبصرية – في إطار يوازن بين حرية الإبداع الفردي وثبات الحقائق العلمية المتفق عليها.
وثالثها التقارير المكتوبة والمقابلات الشفهية، وهي وسيلة تنصف الطالب الأقوى في التعبير الشفوي كما تنصف نظيره الأقوى في الكتابة، وتفيد بوجه خاص في قياس وتحفيز التفكير التأملي والإبداعي.
ورابعها ملفات الإنجاز، وهي سجل تراكمي هادف وموثق لأعمال الطالب طوال العام الدراسي، يعكس مسيرة تطوره وجهده لا مجرد لحظة عابرة من لحظات امتحانه.
وخامسها التقويم العملي، وهو قياس مباشر لقدرة الطالب على توظيف ما تعلمه في مهارة حقيقية – مخبرية كانت أو فنية أو حاسوبية أو لغوية – عبر محكات دقيقة كصحة التدرج في خطوات الأداء وقلة الوقوع في الخطأ وجودة النتيجة وسرعتها.
وسادسها التقويم الذاتي، وهو أكثر هذه الأساليب جذرية، إذ ينقل سلطة الحكم من المعلم إلى الطالب نفسه، فيتعلم أن يراقب أداءه ويحاسب نفسه بمعزل عن رغبته في نيل درجة معينة، وهو – كما أكدت حينها ولا زلت أؤكد – ينبغي ألا يُستخدم أبدًا لمنح العلامات، بل لبناء وعي حقيقي بالتقدم نحو الأهداف.
ما الذي تغير؟
الذكاء الاصطناعي وتحدي التقويم
هنا يكمن أهم ما استجد منذ كتابة المقال الأصلي قبل عشر سنوات، وهو تطور لم يكن أحد يتخيل حجم أثره حينذاك. لقد جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي، منذ انتشاره الواسع بدءًا من 2022، كثيرًا من أدوات التقويم التقليدية – كالمقال المكتوب في المنزل، والبحث، وبعض أنماط الأسئلة المقالية، بل وبعض صور التقويم الإبداعي نفسه – عرضة للتزييف، إذ بات بمقدور الطالب أن يُنتج إجابة متماسكة الصياغة دون أن يمر فعليًا بعملية التعلم التي يُفترض أن يقيسها الامتحان أصلًا.
وهذا يعني أن بعض الأساليب التي اقترحها المقال قبل عشر سنوات تحتاج اليوم إلى ضوابط جديدة تحفظ صدقيتها، مثل ؛
*اشتراط الدفاع الشفوي عن العمل المكتوب أمام المعلم،
*أو ربط المهمة بسياق شخصي وتجربة فريدة يصعب على الذكاء الاصطناعي تعميمها أو محاكاتها.
لكن الذكاء الاصطناعي، في المقابل، فتح أفقًا جديدًا لم يكن متاحًا البتة حين كُتب المقال:
إمكانية بناء تقويم “ذكي” يكيّف الأسئلة وفق مستوى كل طالب ونمط ذكائه المفضل، ويمنحه تغذية راجعة فورية شخصية عوضًا عن التغذية الراجعة المتأخرة والمعممة التي كانت سائدة، ويحرر المعلم من عبء التصحيح الروتيني المتكرر ليتفرغ لما لا تستطيع الآلة أن تقوم به على الإطلاق: فهم الطالب كإنسان متكامل. بعبارة أخرى،
إن الذكاء الاصطناعي لا يُلغي حاجتنا إلى الأساليب الستة التي عرضها المقال الأصلي، بل يمنحها أدوات تنفيذ أكثر قوة وفعالية، ويجعل تبنيها – وبخاصة التقويم الذاتي والتقويم القائم على الأداء والمشروع وملف الإنجاز – أكثر إلحاحًا من ذي قبل، لأنها الأصعب على المحاكاة الآلية، والأقدر على قياس ما هو إنساني وأصيل في تعلم كل طالب.
خاتمة
ما زلت أومن، بعد عشر سنوات كاملة من كتابة هذا المقال، أن جوهر التقويم الحقيقي هو أن يشعر الطالب أنه يمارس نشاطًا ذا معنى بالنسبة له لا عقابًا ينتظره بقلق، وأن يشارك هو نفسه في الحكم على تقدمه لا أن يبقى موضوعًا سلبيًا لحكم غيره عليه. والفارق الوحيد اليوم هو أن أدوات هذا التحول باتت بين أيدينا بصورة لم نكن نتخيلها حين كُتبت هذه السطور أول مرة،
إن المسؤولية الملقاة على عاتق المعلم وصانع السياسة التعليمية باتت أكبر: ألا نستخدم هذه الأدوات الجديدة لتكريس القديم في ثوب جديد، بل لتحرير التعليم فعليًا من أسر الدرجة والامتحان نحو أفق أرحب من المعرفة الحقة وبناء الذات.
بقلمي//رئيس التحرير…
