بقلم: مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
لم يعد مشهد العدالة مرتبطًا فقط بقاعة المحكمة، ومنصة القضاء، وملفات الدعاوى التي يحملها المحامون بين أروقة المحاكم.
فنحن نعيش اليوم مرحلة جديدة، بدأت فيها العدالة نفسها تدخل العالم الرقمي؛ فأصبحت إجراءات قانونية وقضائية تُباشر إلكترونيًا، ومستندات ومذكرات تُودع عن بُعد، وإعلانات وإجراءات يتم التعامل معها عبر الوسائل الرقمية، بل وأصبح حضور بعض الجلسات وإتمام بعض إجراءات التقاضي ممكنًا دون الوجود المادي التقليدي أمام المحكمة.
وأمام هذا التحول يفرض سؤال نفسه بقوة:
إذا أصبحت الدعوى تُرفع إلكترونيًا، والمستندات تُودع عن بُعد، والجلسات يمكن حضورها عبر الشاشة.. فهل يتراجع دور المحامي؟
الإجابة في تقديري ليست فقط: لا.
بل إن دور المحامي قد يصبح أكثر أهمية وتعقيدًا مما كان عليه من قبل.
المحاماة ليست مجرد حضور جلسة
الخطأ أن نختزل دور المحامي في وجوده المادي داخل قاعة المحكمة.
فالمحامي لا تبدأ مهمته عندما ينادى على الدعوى، ولا تنتهي بانتهاء الجلسة.
دوره الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يستمع إلى موكله، ويفحص المستندات، ويحدد حقيقة المركز القانوني، ويختار طريق الدعوى، ويبحث النص والاجتهاد القضائي، ويصوغ الطلبات والدفوع، ويحلل أدلة الخصم، ويضع استراتيجية الدفاع، ثم يتابع القضية حتى صدور الحكم وتنفيذه.
هذه الوظائف لا تستطيع شاشة أن تلغيها، ولا منصة إلكترونية أن تنتقص منها.
الذي يتغير هو الأداة، أما جوهر المحاماة فيبقى قائمًا.
من المحامي التقليدي إلى المحامي الرقمي
التحول الذي نشهده يفرض نموذجًا جديدًا للمحامي.
فمحامي المرحلة القادمة لن يكفيه أن يعرف القانون والإجراءات بصورتها التقليدية، وإنما سيكون مطالبًا بأن يجمع بين المعرفة القانونية والكفاءة الرقمية.
سيكون عليه أن يعرف كيف يتعامل مع منصات التقاضي، وكيف يقدم المستند الإلكتروني، وكيف يتحقق من الدليل الرقمي، وكيف يحافظ على المواعيد والإجراءات الإلكترونية، وكيف يتعامل مع التوقيع والهوية والمراسلات والبيانات الرقمية.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
الرقمنة لا تلغي المحامي، وإنما قد تستبعد المحامي الذي يرفض تطوير أدواته.
لكن الرقمنة ليست عدالةً في ذاتها
وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة شديدة الأهمية.
فليس كل إجراء أسرع هو بالضرورة أكثر عدالة، وليس كل إجراء إلكتروني أكثر ضمانًا لمصالح المتقاضين.
التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لخدمة العدالة، لا بديلًا عن ضماناتها.
فإذا أدى التقاضي عن بُعد إلى الحد من حق المحامي في المرافعة، أو صعوبة الاطلاع على مستندات الخصم، أو تعذر مناقشة دليل، أو الإخلال بمبدأ المواجهة بين أطراف الخصومة، أو المساس بسرية العلاقة بين المحامي وموكله، فإننا هنا لا نكون أمام تطوير للعدالة، وإنما أمام خطر يجب تداركه.
فالغاية ليست أن تكون لدينا محكمة إلكترونية فحسب، وإنما أن تكون لدينا عدالة إلكترونية تحافظ على ذات الضمانات التي قامت عليها المحاكمة العادلة.
ماذا لو دخل الذكاء الاصطناعي إلى قاعة المحكمة؟
والتحول لن يتوقف عند التقاضي عن بُعد.
فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على البحث والتحليل وتصنيف المستندات والمساعدة في إعداد الأعمال القانونية بصورة لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
وهنا سيظهر سؤال أكبر:
هل تستطيع التكنولوجيا يومًا أن تحل محل المحامي؟
قد تساعد في البحث، وقد تختصر الوقت، وقد تقرأ آلاف الصفحات في دقائق، لكنها لا تملك وحدها فهم الظروف الإنسانية لكل قضية، ولا تقدير اللحظة المناسبة لإبداء دفع، ولا بناء علاقة الثقة مع الموكل، ولا ممارسة التقدير المهني الذي يتكون عبر سنوات من الخبرة والممارسة.
لذلك فإن المستقبل – في تقديري – ليس للآلة في مواجهة المحامي، وإنما للمحامي الذي يعرف كيف يجعل الآلة تعمل لصالحه ولصالح العدالة.
العدالة تتغير.. والمحاماة يجب أن تتغير معها
نحن لا نقف أمام تغيير مؤقت في طريقة تقديم خدمة قضائية، وإنما أمام تحول قد يعيد رسم شكل التقاضي نفسه خلال السنوات القادمة.
وقد يأتي يوم تصبح فيه غالبية إجراءات الدعوى منذ قيدها وحتى صدور الحكم ومتابعة تنفيذه إجراءات رقمية متكاملة.
وهذا يفرض على المؤسسات القانونية ونقابات المحامين وكليات الحقوق الاهتمام بالتدريب على التقاضي الرقمي، والأدلة الإلكترونية، والأمن المعلوماتي، والذكاء الاصطناعي القانوني.
لأن حماية دور المحامي في المستقبل لن تتحقق برفض التكنولوجيا، وإنما بإعداد محامٍ قادر على قيادتها.
ويبقى السؤال الأهم
التقاضي عن بُعد ليس خطرًا على المحاماة في ذاته.
الخطر الحقيقي أن تتطور منظومة العدالة بينما تظل أدوات المحامي كما كانت.
فالمحاماة عبر تاريخها لم تكن مهنة أوراق أو قاعات، وإنما كانت وستظل مهنة عقل وحجة ودفاع عن الحقوق والحريات.
قد تختفي بعض الملفات الورقية، وقد تقل الرحلات اليومية إلى المحاكم، وقد تصبح الشاشة جزءًا من قاعة العدالة، لكن الحاجة إلى المحامي لن تختفي.
بل ربما يصبح دوره أكثر دقة ومسؤولية.
فالعدالة قد تصبح رقمية، والمحكمة قد تنتقل إلى الشاشة، والملف قد يتحول إلى بيانات.. لكن الدفاع عن الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى مجرد زر يُضغط.
مالك السعيد
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
مكتب مالك السعيد وشركاه للمحاماة والاستشارات القانونية
المحامي أمام شاشة العدالة.. هل يصنع التقاضي عن بُعد محاماةً جديدة
