الدكتورمصطفي الفقي يكتب/محاولات اسرائيل لإزاحة غزة من مركز الاهتمام العالمي،

المتابعين الاكارم اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه،،

السيدات والساده:

منذ مطلع مارس 2026، حتي اليوم، لم تعد الحرب الإسرائيلية – الإيرانية مجرد مواجهة إقليمية منفصلة عن القضية الفلسطينية، بل تحولت بالنسبة لحكومة بنيامين نتنياهو إلى مظلة استراتيجية لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بالكامل، عسكريا في غزة، وسياسيًا في القدس، وديموغرافيا في الضفة الغربية، وأمنيا ضد فلسطينيي الداخل، فالحرب على إيران لم تستخدم فقط بوصفها معركة ردع، وإنما كأداة لإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي وإزاحة غزة من مركز الاهتمام العالمي، بما أتاح لإسرائيل هامشا غير مسبوق للمناورة والتنصل من استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدأت المؤشرات تتكشف بوضوح، إسرائيل رفضت عمليا الانتقال الكامل إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي كانت تتضمن انسحابا أوسع من قطاع غزة، ووقفا دائما للحرب، وترتيبات لإعادة الإعمار، ثم شرعت في طرح صيغ بديلة تقوم على “الهدن المؤقتة” وتمديد المرحلة الأولى بدلًا من تنفيذ الاستحقاقات الجوهرية المتعلقة بالانسحاب وإنهاء العمليات العسكرية.

التحول الأخطر أن التصعيد مع إيران ولبنان منح حكومة اليمين الإسرائيلي فرصة ذهبية لتسويق فكرة الحرب الوجودية متعددة الجبهات، وهو خطاب سمح لنتنياهو بإعادة تعريف غزة من ملف تفاوضي إلى جبهة أمن قومي مفتوحة، لذلك لم يعد الحديث الإسرائيلي يدور حول إنهاء الحرب، بل حول إدارة احتلال طويل الأمد داخل القطاع عبر مناطق عازلة وتمركزات عسكرية دائمة، وبالتالي إسرائيل تتجه إلى تثبيت حرب دائمة وبناء أحزمة أمنية في غزة ولبنان وسوريا ضمن عقيدة عسكرية جديدة.

عمليا، تستفيد إسرائيل من الحرب على إيران في ثلاثة مسارات متوازية، المسار الأول هو تعطيل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، إسرائيل تدرك أن الانتقال إلى هذه المرحلة يعني الانسحاب التدريجي من القطاع، وتقليص الوجود العسكري، وفتح مسار سياسي قد يفرض لاحقا نقاشا حول الدولة الفلسطينية، لذلك استخدمت أجواء الحرب الإقليمية لتبرير استمرار العمليات العسكرية، والإبقاء على أجزاء واسعة من القطاع تحت السيطرة المباشرة، خاصة المحاور الحدودية والمناطق العازلة، هذا ما يفسر استمرار القصف المحدود والاغتيالات والاقتحامات حتى أثناء الحديث عن مفاوضات التهدئة، كما أن الحرب مع إيران وفرت ذريعة لنتنياهو للقول إن إسرائيل لا تستطيع تفكيك جبهة غزة في ظل تهديدات إقليمية مفتوحة.

المسار الثاني يتعلق بالقدس والمسجد الأقصى، فبينما تنشغل المنطقة بالحرب، تواصل جماعات اليمين الديني الإسرائيلي فرض وقائع جديدة داخل الحرم القدسي، عبر توسيع الاقتحامات ومحاولات إعادة تعريف قواعد الصلاة داخل المسجد الأقصى، الهدف هنا ليس دينيا فقط، بل سياسي وسيادي؛ أي تثبيت مفهوم السيادة الإسرائيلية الكاملة على القدس الشرقية، وتحويل الأقصى تدريجيًا إلى مساحة خاضعة لشروط الاحتلال الأمنية والدينية، وفي ظل انشغال العالم بالحرب مع إيران، تراجعت الضغوط الدولية المتعلقة بالقدس بصورة واضحة، ما شجع التيارات الأكثر تطرفًا داخل حكومة نتنياهو على دفع هذا المسار بوتيرة أسرع.

المسار الثالث هو تسريع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. هنا تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى. تقارير أممية وحقوقية أكدت أن إسرائيل استغلت الانشغال الدولي بالحرب الإقليمية لتوسيع الاستيطان وفرض وقائع ضم فعلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ومنذ أيام قليلة احتفل وزراء إسرائيليون بإعادة إحياء مستوطنة سانور شمال الضفة، بعد 21 عاما من إخلائها، في خطوة رمزية وسياسية بالغة الخطورة، لأنها تعني التراجع عن انسحابات 2005 وإعادة تكريس مشروع الضم التدريجي، كما تصاعدت اعتداءات المستوطنين بصورة غير مسبوقة، وسط حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، مع تهجير آلاف الفلسطينيين من مناطق ريفية كاملة.

الأخطر أن حكومة نتنياهو لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره نشاطا جانبيا، بل باعتباره نتيجة استراتيجية للحرب، فكلما توسعت المواجهة الإقليمية، ازداد اقتناع اليمين الإسرائيلي بأن اللحظة الحالية مناسبة لحسم ملف الضفة قبل أي تغير محتمل في التوازنات الدولية أو الأمريكية، لذلك يجري الحديث داخل أوساط اليمين عن فرض الوقائع قبل نهاية نافذة الفرصة.

أما فلسطينيو الداخل فهم يواجهون موجة تضييق أمني وسياسي متصاعدة، الحرب الإقليمية وفرت لإسرائيل بيئة مناسبة لتوسيع المراقبة والاعتقالات والتضييق على النشاط السياسي والإعلامي داخل المجتمع العربي، تحت عنوان الأمن القومي، هذا جزء من محاولة إسرائيل منع تشكل أي جبهة احتجاج داخلية تربط بين غزة والقدس والضفة وفلسطينيي الداخل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

لكن رغم هذا المشهد، فإن الخيارات الفلسطينية لم تنعدم، وإن كانت معقدة وصعبة، الخيار الأول يتمثل في إعادة بناء وحدة الساحة الفلسطينية، إسرائيل تستفيد أساسا من الانقسام بين غزة والضفة، وبين السلطة والفصائل، وبين الداخل والخارج، وأي قدرة فلسطينية على تشكيل مرجعية سياسية موحدة ستعيد إحياء الضغط الدولي على إسرائيل، خصوصًا في ظل تنامي الانتقادات الأوروبية والأممية للاستيطان والحرب.

الخيار الثاني هو نقل المعركة إلى الساحة القانونية والدبلوماسية الدولية، إسرائيل تستفيد حاليًا من انشغال العالم بالحرب الإقليمية، لكن تصاعد التقارير الأممية والحقوقية بشأن الاستيطان والضم والتهجير يمنح الفلسطينيين أدوات مهمة للتحرك أمام المحاكم والمنظمات الدولية، تقارير الأمم المتحدة ومنظمات مثل العفو الدولية باتت تتحدث صراحة عن ضم فعلي وتهجير قسري وتغيير ديموغرافي ممنهج.

الخيار الثالث هو تعزيز الصمود الميداني في القدس والضفة، خاصة في المناطق المهددة بالمصادرة والاستيطان، إسرائيل تراهن على إنهاك المجتمع الفلسطيني اقتصاديا وأمنيا ودفعه إلى الهجرة الصامتة، ولذلك يصبح بقاء الفلسطينيين على الأرض جزءًا من معركة الوجود نفسها.

حكومة نتنياهو الآن تبدو وكأنها تخوض حربا متعددة الطبقات: حربًا عسكرية ضد إيران وحلفائها، وحربا جغرافية ضد الضفة، وحربا سيادية ضد القدس، وحرب استنزاف طويلة ضد غزة، وما يجري منذ مارس ليس مجرد إدارة أزمة، بل محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية نفسها تحت غطاء الحرب الإقليمية؛ أي تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم، وتحويل الاستيطان من مشروع توسع إلى مشروع سيادة نهائية، لكن خطورة هذه الاستراتيجية أنها قد تنتج انفجارا فلسطينيًا وإقليميا أكبر، لأن فرض الوقائع بالقوة لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بصورة أكثر عنفا وتعقيدا.

بقلمي//دكتورمصطفي الفقي…

Related posts

Leave a Comment