بقلم / نــور علم الدين
في بعض الأحيان الهدوء لا يشبه السلام .. بل يشبه الغرق البطيء .. لا أمواج .. لا صراخ .. فقط سكون كثيف كأنه يُطبِق على صدرك .. يجعلك تتنفس بصعوبة دون أن يفهم أحد لماذا ..؟!
و أحيانًا يكون هذا الهدوء أكثر الأشياء صخبًا .. لكنه صخب لا يُسمع .. بل يُشعر .. وهو أيضًا ذاك الذي يمرّ فوق القلب كظلٍ ثقيل بلا صوت .. بلا تفسير .. لكنه يترك أثرًا لا يُمحى ..
وهذا ما يجعلنا نُخطئ فهمه ..
هو ذلك الفراغ الذي لا يُريحك .. بل يبتلعك .. هو اللحظة التي تتوقف فيها الضوضاء من حولك .. فتكتشف أن الضجيج الحقيقي كان يسكن داخلك طوال الوقت ..
لا أصوات .. لا كلمات .. فقط أفكار متشابكة كخيوطٍ معقودة .. كلما حاولت فكّها .. زادت تعقيدًا ..
هو ذلك الهدوء الذي يوجد في العلاقات التي فقدت روحها دون أن تعلن انتهاءها .. حيث لا شجار ولا عتاب .. فقط صمت طويل يحمل في طياته ألف سؤالٍ بلا إجابة .. نظرات باردة .. وكلمات مقتضبة .. ومسافات تُبنى بصمت بين شخصين ….
فهذا الهدوء لا يأتي فجأة .. بل يتسلل إليك .. يبدأ بتنازل صغير عن كلمة كنت تريد قولها .. ثم تأجيل لمشاعر كان يجب أن تُعاش .. ثم صمتٍ أطول من اللازم .. حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة التي تعرفها .. رغم أنك لا تُجيدها ..
هو شعورك حين تجلس في مكان يفترض أنه مألوف .. وبين أشخاص يفترض أنهم أقرب الناس إليك .. تنظر لكل شيء من بعيد دون أن تنتمي حقًا لأي شيء ..
وفي هذا التسلل الصامت… يبدأ الهدوء يُعيد تشكيل علاقاتك بمن حولك ..حيث لا أحد يجرحك صراحة .. ولا تريد أحد أن يحتضنك بصدق .. فقط مساحات باردة .. وإهتمام ناقص .. وكلمات تُقال دون روح …
كأن القلوب انسحبت بهدوء .. وتركت خلفها أجسادًا تؤدي واجب القرب ..
ومع الوقت…تكتشف أن لا يتوقف الأمر عند العلاقات فقط .. بل يبدأ هذا الهدوء في التسرّب إلى داخلك أنت ..
وفي داخلك .. يصبح الأمر أكثر قسوة .. حيث تعتاد أن تبتلع كل شيء دون غصة .. تضحك حين يجب أن تبكي .. وتصمت حين يجب أن تصرخ .. وتُقنع نفسك أن “لا بأس” حتى تفقد الإحساس بمعنى أن يكون هناك بأس من الأساس ..
حينها تتحول مشاعرك إلى طبقات مدفونة .. وكلما حاولت الوصول إليها .. وجدت نفسك مرهقًا من الحفر… أيعقل هذا …….؟!
فالهدوء غير الآمن لا يُحطمك مرة واحدة… بل يُفرغك تدريجيًا .. يسرق منك ردود أفعالك .. دهشتك .. وحتى ألمك ..
تصل لمرحلة لا تشعر فيها بشيء بوضوح… لا حزن مكتمل .. ولا فرح حقيقي… فقط حالة رمادية ممتدة .. ومن هنا… تبدأ أخطر مراحله … أنك قد تتمسك به .. ليس لأنه مريح .. بل لأنه مألوف .. لأنك تخاف من الضجيج الذي قد يكشف كل ما أخفيته .. وتخاف أكثر من مواجهة نفسك لو تحدثت ..
لكن الحقيقة التي نهرب منها دائمًا .. أن هذا الهدوء لا يُشفي … بل يُخدّر .. وما يُخدّر القلب .. يسرق منه القُدرة على الحياة ..
وهنا… ننتقل من الفهم إلى المواجهة والتأقلم …
فالشجاعة ليست في الصمت .. بل في كسرِه .. في أن تقول ما يؤلمك حتى لو إرتجف صوتك .. أن تعترف بأنك لست بخير .. أن تُعيد لنفسك حقها في الشعور .. كاملًا .. بلا خوف .. وكما في الخارج… يحدث في الداخل .. فلا تجعلهُ هدوء للنفس حين تتعب من المقاومة .. حين تختار الصمت لا لأنها بخير .. بل لأنها لم تعد تملك طاقة للحديث ..
ذاك الهدوء الذي يشبه الاستسلام أكثر مما يشبه السلام .. حيث تختبئ المشاعر خلف ستار من البرود الظاهري .. بينما في الداخل معركة لا تهدأ.. فإن ليس فيه راحة… بل إنذار .. إشارة خفية بأن هناك شيئًا لم يُقال .. ألمًا لم يُفهم .. أو قلبًا لم يُحتوَ كما يجب ..
وربما أخطر ما فيه… أنه يُخدعنا .. يجعلنا نظن أن الأمور بخير .. فلا أحدٍ منا بخير .. كُلنا نكذب .. بينما الحقيقة أن أشياء كثيرة تنهار في صمت .. لهذا .. لا تثق دائمًا في من هادئ .. بعضه يحتاج أن تُصغي له جيدًا .. لا بأذنيك… بل بقلبك ..
ومن هذا الإصغاء… يبدأ التحوّل الحقيقي ..
و لكن كسر هذا الهدوء لا يعني الفوضى .. ولا يعني أن تتحول إلى صوتٍ مرتفعٍ بلا اتجاه ..
بل أن تستعيد نفسك… بهدوءٍ صادق هذه المرة .. لا هدوءٍ هارب .. أن تجلس مع روحك دون أقنعة .. وتسألها بصدق .. متى بدأت أختفي؟!
ومتى أقنعت نفسي أن الغياب أقل ألمًا من المواجهة؟! ..
أن تتعلم أن التعبير ليس ضعفًا .. وأن الشعور حين يكون موجعًا .. دليل حياة .. لا عبء يجب التخلص منه ..
فالقلب الذي يتألم… ما زال ينبض .. أما الذي لا يشعر… فقد بدأ ينسحب من الحياة دون أن يودّعها ..
وربما لن يتغير كل شيء فجأة .. وربما لن يفهمك الجميع ..
لكن حين تختار أن تكون صادقًا مع نفسك .. فأنت تعيد ترتيب العالم داخلك .. حتى لو ظل الخارج كما هو .. وتبدأ الرحلة ببساطة .. تبدأ بخطوة صغيرة .. كلمة لم تُقل .. فتُقال .. دمعة كُتمت .. فتُترك تسقط .. اعتراف بسيط “أنا لست بخير”… دون تبرير ..
ومع كل مرة تختار فيها أن تشعر بدل أن تتجاهل .. تعود إليك أجزاء منك كانت ضائعة ..
وتكتشف أن الحياة ليست في أن تكون دائمًا قويًا .. بل في أن تكون حقيقيًا ..
وهنا فقط… يتغير معنى الهدوء ..
فالهدوء الذي يخفي خوفًا واضطرابًا .. كما قال تعالى:
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ — سورة المنافقون (آية 4)
الآية بتوصف ناس شكلهم هادي وثابت .. لكن من جواهم في قلق وخوف شديد .. ثم ماذا بعد ؟!
ثم تصمت لأنك مكتفٍ .. لا لأنك مُنهك ..
تبتسم لأنك بخير .. لا لأنك تخفي شيئًا ..
وحين تصل إلى هذا النوع من الهدوء .. ستدرك أن الفرق بينه وبين ذاك الذي كان يُثقل صدرك .. هو الفرق بين قلبٍ حيّ .. وقلبٍ كان يتظاهر بالحياة ..
فإن فاقد الرغبة لا تُغريه الفرص ..
وأخيرًا ــــــــــ
لا مجانية في هذه الحياة …..ٍ
