الكاتب الكبيرابراهيم مراد يكتب /في تشريح السلوك البشري والرغبه في التغير..

المتابعين الافاضل اينما كنتم حول العالم عبرصفحات الجمهوريه,,

السيدات والساده:

في تشريح السلوك البشري، محطة تبحث في الكيفية التي يبرر بها الفرد أزماته المالية الناتجة عن قراراته الخاطئة، ليدخل في حالة من التنويم المغناطيسي الذاتي عبر ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الشماعة”، إنها تلك الحالة النفسية والسلوكية التي يطورها الفرد هربًا من ألم مواجهة الذات، فعندما تتأزم الأوضاع المالية لشخص ما نتيجة غياب التخطيط، أو الإسراف التفاخري، أو التقاعس عن تطوير المهارات، يجد العقل البشري نفسه أمام خيارين: إما الاعتراف بالخطأ وتحمل مرارة المسئولية البدء في التغيير، وهو مسار وعر يتطلب شجاعة، وإما البحث الفوري عن “شماعة” جاهزة يُلقي عليها اللوم، ليريح ضميره ويحافظ على صورته الوردية أمام نفسه وأمام المجتمع.

وفي واقعنا المعاصر، تحولت هذه الشماعات إلى صناعة رائجة ومريحة بامتياز: فالظروف العالمية، والتغيرات الهيكلية، والقرارات الحكومية – والتي نمارس تجاهها دورنا النقدي الأكاديمي والتحليلي دومًا وبكل تجرد – لكنها تظل الشماعة الأسهل والأكثر استخدامًا لكل شخص يبحث عمن يحمله المسئولية بدلًا من أن يلوم نفسه، لقد تحولات تلك الحجج – وإن كانت في بعض الحالات بها جزء من الصحة –  تحولت هذه الظروف والقرارات في وعي المواطن المتكاسل من “معطيات وتحديات يجب التعامل معها بكفاءة” إلى “شماعات مريحة تبرر التقاعس التام”، لقد أصبح من السهل جدًا على الفرد أن يجلس في مقعد الضحية المشتكية، يندب حظه، ويلبس واقعه ثوب المؤامرة المستمرة أو الفشل المحتوم للآخرين، معتبرًا أن أحواله المعيشية هي نتاج خالص لقرارات فوقية لا يد له فيها، ومن ثم، فلا داعي لأي جهد شخصي ما دام الأمر بيد غيره.

تكمن الخيانة المعرفية هنا – والتي يشارك فيها خطاب التبرير الاجتماعي المعاصر – في تحويل الوعي الجمعي إلى وعي “مفعول به” دائم، إننا نرى جيلًا يعمد، تحت تأثير هذا التبرير، إلى تكريس ثقافة “الاتكالية الذهنية”، فالشاب الذي يرفض تعلم لغة جديدة، أو اكتساب مهارة تقنية يحتاجها سوق العمل اليوم، أو لا يبذل مجهودًا لتعلم مهارات حقيقية يحتاجها سوق العمل.. هذا الشاب يجد في الحديث العام عن “أزمة التوظيف” وعدم قيام الحكومة بتوظيفه مبررًا كافيًا ليبقى بلا عمل، والأسرة التي تصر على إقامة حفل زفاف أسطوري يفوق قدرتها المادية بمراحل، تجد في الحديث عن “ارتفاع الأسعار” شماعة جاهزة لتبرير غرقها في ديون التقسيط الكارثية، إن عشرات القصص من النجاح من الشباب المصري المجتهد الذي يعيش في نفس الظروف ومع نفس الحكومة وذات المجتمع تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن من يكسر الشماعة هو من يستطيع النجاح، ومن يرتكن إليها سيبقى كما هو يلعن الظروف ولكن لا يغيرها.

إن الاقتصاد الحر المستدام يحكمه منطق صارم: الأسواق لا تلتفت للباكين على أرصفة الأماني، والفرص لا تُمنح كصكوك رعاية، بل تُقتنص بالكفاءة والتنافسية العالية، إن مواجهة الذات والاعتراف بالخطأ السلوكي والمالي ليست جلدًا للذات، بل هي أولى خطوات التحرر والانطلاق، فما دمت تعتقد أن مشكلتك الاقتصادية تسبب فيها غيرك بالكامل، فستظل مقتنعًا بأن حلها بيد غيرك بالكامل، وبذلك تتنازل طواعية عن أثمن ما تملك: إرادتك وقدرتك على التغيير.

إن الأوطان لا تُبنى بالمبررات، ومستقبل الأسر لا يُضمن بالشكوى المستمرة في الفضاء الرقمي أو المجالس المغلقة، التحديات الاقتصادية حقيقية وضغوط الواقع معقدة، وهذا يفرض على الدولة التزاماتها بكل تأكيد، لكنه يفرض على الفرد التزامًا أشد حتمية، وهو أن يبني حصانته الخاصة بجهده، وأن يحول طاقته من “طاقة شكوى وتبرير” إلى “طاقة عمل وإنتاج وتطوير”.

النجاة الاقتصادية والشخصية تبدأ في اللحظة التي تقرر فيها النزول من مقعد الضحية، والوقوف بقوة لتأخذ مقود القيادة في حياتك، أن تسأل نفسك كل صباح: “ماذا قدمتُ اليوم لرفع كفاءتي وزيادة إنتاجيتي؟” بدلًا من “من ألوم اليوم على إخفاقي؟”. قطار المستقبل يتحرك بسرعة فائقة نحو الكفاءة والابتكار، ولا ينتظر من يرتكن إلى شماعات الوهم مرتاح الضمير كسالى متكلين، احزم أمرك، واصنع واقعك بيدك، وتذكر دائمًا: “أنتَ الفِعْل.. فلا تَنْتَظِر فِعْلًا من أَحَد”.

بقلمي/رئيس التحرير…..

Related posts

Leave a Comment